
تتجلى في زيارة النصف من شعبان في كربلاء المقدسة مشاهد روحية وإنسانية رائعة. في هذه المناسبة يجتمع حشد كبير من المؤمنين للاحتفال بمولد الإمام المهدي عجل الله فرجه في تعبير لافت عن روح الوحدة والإيمان.
وبحسب بيان صادر عن مسؤولين محليين بلغ عدد الزائرين هذا العام نحو 5 ملايين زائر، مما يعكس الأهمية الكبيرة لهذه المناسبة.
إحياء هذه المناسبة والمناسبات المماثلة يعبّر عن تمسك روحي وعقائدي بآل بيت النبي عليهم السلام وتجديد العهد معهم في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية التي تستهدف الإسلام والمسلمين.
وتختلف طرق الإحياء باختلاف الناس وطبيعة قدراتهم، ففي خضم هذا الحشد يتفانى البعض في توفير الغذاء للزوار بينما يتولى آخرون تأمين أماكن الراحة لهم، وفي الشوارع المؤدية إلى المدينة القديمة حيث تقع العتبات الدينية يحرص المتطوعون على نشر الفرح والبهجة بين جموع الزوار مما يعمّق من روح الإخاء بينهم ويجعل الزيارة أكثر روحانية.
حيدر شمسي، مثلا واحد من المئات من أصحاب المواكب الذين اعتادوا تقديم الخدمات للزوار خلال المناسبات الدينية الهامة كزيارة النصف من شعبان. بدأت حكاية العطاء والبذل مع حيدر في أوائل تسعينيات القرن الماضي عندما اتفق مع إخوته وأصدقائه من أبناء حي باب السلالمة على تأسيس موكب أهالي كربلاء المقدسة.
يقول حيدر" نستعد لمناسبة زيارة النصف من شعبان قبل أسابيع بتحضير المخصصات اللازمة ومستلزمات الموكب وشراء ما يمكننا من تقديم الخدمة للزوار".
وتحظى المواكب الخدمية بدعم من العتبة العباسية المقدسة التي تتولى تنظيم عملها لضمان انسيابية حركة الزائرين وتقديم أفضل الخدمات.
يشرح عدنان مجيد مسؤول شعبة التسجيل والتوثيق في القسم" قبل كل زيارة يتم التنسيق بين مواكب كربلاء والمواكب القادمة من باقي المحافظات ونمنح كفالات لنصب المواكب في المدينة القديمة أو خارجها بعد استحصال الموافقات اللازمة".
ويشير عدنان مجيد، الى الحرص الذي توليه العتبة المقدسة لتوفير أماكن لا تعرقل حركة الزائرين ويضيف" نزود المواكب بالمياه والكهرباء والحاويات البلاستيكية ونعمل على تسهيل جميع الإجراءات ".
ولا يقتصر دور القسم على التسجيل والتنظيم فقط بل يقوم أيضاً بجولات تفقدية لمراقبة سير العمل والتأكد من عدم وجود تجاوزات تؤثر على حركة الزائرين.
يقول حسن عباس خلف صاحب أحد المواكب القادمة من محافظة ميسان" تقوم العتبات الدينية المقدسة بدور كبير في دعم أصحاب المواكب"
مشيرا الى انه" يشعر بالسعادة مع اقتراب مواعيد المناسبات الدينية التي يشدون فيها الرحال إلى كربلاء لخدمة زوار الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام وينتابهم الحزن عندما تنتهي هذه المناسبات".
وتلعب المواكب الخدمية دورا أساسيا في تقديم الخدمات للزوار حيث تقدم وجبات ساخنة ومشروبات باردة طوال اليوم تعبيرا عن الإيثار وحب أهل البيت عليهم السلام.
ولتحسين ظروف الزيارة في المستقبل يقدم الزوار وأصحاب المواكب عدة مقترحات من بينها زيادة عدد المجمعات الصحية الخاصة بدورات المياه وتوسيع أماكن الاستراحة وتوفير خدمات معينة لذوي الاحتياجات الخاصة مثل الكراسي المتحركة والمرافق الخاصة بمثل حالاتهم.
وقد شرعت العتبة العباسية المقدسة طوال السنوات الماضية بعد 2003 بحملة كبيرة لإضافة مساحات ومرافق خدمية مختلفة بهدف تمكين الزوار من أداء الزيارة بيسر وسهولة.
وما زال العمل مستمرا ببعض المشاريع الخدمية، كما أنها تأخذ دائما بعين الاعتبار المقترحات القابلة للتنفيذ في ضوء الإمكانات المتاحة.
أخيرا فإن زيارة النصف من شعبان ليست مجرد مناسبة دينية بل هي تراث روحي يعكس قوة الوحدة والإيمان في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية التي تجتاح عالم اليوم.
وبفضل الجهود المتواصلة للعتبة العباسية والمواكب الحسينية أصبحت هذه الزيارة نموذجا للتنظيم والبذل.