في قلب مدينة النجف الأشرف، حيث تمدّ المدارس الفقهية جذورها في عمق التاريخ، لم يعد طلب العلوم الدينية حكرا على الهجرة والمجاورة الجغرافية.
فمع تسارع خطى العصر الرقمي، بادر قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة بتأسيس معهد تراث الأنبياء للدراسات الحوزوية الإلكترونية.
هذا الصرح بات يمثّل حلقة الوصل الحديثة التي تنقل المنهج الدراسي الرصين لحوزة النجف العريقة إلى الشاشات الرقمية لآلاف الطلبة من الرجال في مختلف قارات العالم، مزيلا بذلك حاجز البعد والاغتراب.
فالمعهد لا يعتمد على التلقين السطحي، بل يتّبع بدقة السلم الأكاديمي المتعارف عليه في النجف الأشرف، بدءًا من المرحلة التمهيدية والمقدمات، وصولا إلى السطوح والسطوح العليا.
يفيد الشيخ محمد راضي عبد السادة البزوني، أحد أساتذة المعهد منذ العام (2017)، أنّ "الهدف الأساسي لم يكن مجرد فتح صفحة إنترنت لبثّ الدروس، بل صناعة بيئة حوزوية حقيقية تواكب تحديات العصر".
موضحًا، "لذلك استجاب المعهد لآلاف الرسائل من المغتربين والراغبين في الدراسة، ممن تمنعهم ظروفهم المهنية أو الجغرافية من الحضور الجسدي في النجف الأشرف".
ويتابع، "يُعدّ هذا المعهد التجربة الرقمية الرائدة والأولى من نوعها في تاريخ الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، لا سيما الدراسة عبر الإنترنت، وفي العالم الافتراضي".
مُعلقًا، "هذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال أن المعهد غير مُلتزم التزامًا كاملًا بالمنهجية الدراسية المُعتمدة في الحوزة العلمية، التي تشمل حزمة متكاملة من علوم.. (الفقه والأصول / العقائد والمنطق/ علوم اللغة العربية/ القرآن الكريم)".
ويكمل، "بمقتضى ذلك الوعي يمكن أن نقول إنّ "بركة المجلس" و"التواصل البصري"، يمكن أن نتنازل عنها بالمقدار الذي لا يتمكّن المتلقي فيه، من تحققه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن للأستاذ والطالب أن يحصلا على "بركة الدرس"، وذلك عن طريق الصورة والصوت، وأن يكون الطالب مُهيَّأً للدرس، وأن يكون على طهارة".
مشيرًا، "هذا ما حصل معي شخصيا ولسنوات عديدة في الحلقات الحوزوية مع الكثير من الطلبة وفي أوقات مختلفة من النهار وفي المساء، خاصة وأنّ التعليم عبر الإنترنت له خصوصية تختلف عن خصوصية التلقي المباشر في الحوزة العلمية".
ولا ينبغي أن يخلط بين الخصوصيتين، فما يكون في التعليم المباشر، لا ينبغي أن يجري عبر التعليم عبر الإنترنت، وكذلك العكس.
شروط الانتماء
وبحسب السيد وليد الغرابي مسؤول وحدة التعليم الإلكتروني، إنّ أعداد الطلبة المُسجلين والمُستفيدين من خدمات المعهد تتجاوز (19.462) ألف طالب في الدورات السابقة.
قائلًا، "تأسّس المعهد سنة 2016م بهدف مواكبة التطور التقني في مجال التعليم الإلكتروني وإيصال العلوم الإسلامية إلى أكبر عدد ممكن من المتلقّين داخل العراق وخارجه".
ويضيف، "المعهد يعتمد ضوابط عمرية خاصة بالتسجيل، حيث يُشترط في الطالب الذي يرغب بالتسجيل الرسمي أن يكون قد بلغ من العمر (١٥) سنة، أمّا الطالب المتابع فيُشترط ألّا يقل عمره عن (١٢) سنة، وأن يكون حسن السيرة والسلوك، ويتمتّع بالأخلاق والالتزام المناسب لطبيعة الدراسة".
مُكملاً، "فضلاً عن حصوله على تزكية من شخصية علمية أو اجتماعية معروفة تؤيد أهليّته وانضباطه، وذلك حفاظاً على المستوى العلمي والأخلاقي الذي يسعى المعهد إلى ترسيخه بين طلبته".
ويلفت السيد الغرابي إلى، أنّ "المعهد يعتمد نظام التعليم الإلكتروني عن طريق منصة تعليمية وبعض المنصات الإلكترونية الأخرى، فضلًا عن الموقع الإلكتروني الخاص بالمعهد، حيث يتم نشر الدروس والمحاضرات وإجراء الامتحانات والتواصل مع الطلبة بصورة مستمرة".
مشيرا، "تستهدف الدراسات الإلكترونية جميع فئات المجتمع من الرجال، مع اهتمام خاص بفئة الشباب؛ لما لهم من دور هام في بناء الوعي الثقافي والديني، ويبلغ عدد العاملين في المعهد نحو (٤١) منتسباً بين كوادر علمية وإدارية وفنية وإعلامية".
مبينا، "يضمّ المعهد عدداً من الوحدات (الوحدة الإدارية / وحدة شؤون الطلبة/ وحدة التعليم الإلكتروني / وحدة الاستوديو/ وحدة الثقافة القرآنية/ وحدة تكنولوجيا المعلومات".
مشيرًا، "التدريس يضع على عاتق الأستاذ مسؤولية مضاعفة، إذ يتعيّن عليه تبسيط المتون الحوزوية الجافة، وجعلها حيوية عبر وسائل الإيضاح الرقمية، وما يميز هذا المعهد هو التزام الطلبة، فعلى الرغم من بُعدهم، نجد حيوية واضحة في خانة المباحثات الرقمية".
التفاعلية
هذه الأعداد تعكس تنامي الثقة والإقبال الكبير على برامج المعهد ودوره الريادي في نشر علوم أهل البيت عليهم السلام باستخدام أحدث وسائل التعليم الإلكتروني.
فيعلّق باسم محمد حسن محيسن الصخني (58 عاما) من سكنة محافظة كربلاء، أحد طلبة المعهد، "الدراسة عبر الفضاء الرقمي لها ما يبرّرها، خصوصا وهي تتيح لطالب العلم حرية تلقّي العلم وهو في مكانه، مع سهولة الانتساب لذلك المعهد وتقديم المستمسكات المطلوبة بشكل إلكتروني".
مشيرًا، "هذا بطبيعة الحال مما يجعل علماء الحوزة العلمية غير بعيدين عن المستجدات الحاصلة في هذا العصر، لا سيما المُستحدثات التي تحصل في مجال الدراسة، والعمل، والتواصل مع الجنس الآخر، والعناوين السياسية التي تثار هنا أو هناك".
مضيفًا، "كلّ هذه المجالات تمّ التعرض لها بشكل أو بآخر، عن طريق باب خاص بالمستحدثات في الرسالة العملية مثل.. (أحكام المصارف والبنوك، والإنجاب الصناعي، والكهرباء، والماء، والطرق، وقوانين الدول غير الإسلامية)".
ويتابع الصخني، "من أهمّ المعوقات التي تعترض الدراسة عبر الإنترنيت هي ضعف النت في العراق، لكنّ وعلى الرغم من ذلك فإنّ الإقبال على المعهد له صدى واسع في داخل وخارج العراق؛ للتزود من علوم ومعارف أهل البيت عليهم السلام".
من جانبه يعزو فيصل محمود عبد الله أحد طلّاب معهد تراث الأنبياء، دواعي الالتحاق بالدراسة الدينية عبر الإنترنت، بدلًا عن المعاهد التقليدية الحضورية، إلى "التزام المدارس الدينية بوقت ومكان معينين، لا تتناسب مع التزاماتنا الحالية".
مبينًا، "لذلك سارعتُ بالتسجيل في معهد تراث الأنبياء للدراسات الحوزوية الإلكترونية، ولم أواجه أيّة مخاوف أو تردّد بشأن رصانة التعليم الإلكتروني".
ويضيف، "الدراسة الدينية الإلكترونية كانت وما زالت تلبّي شغفًا وحاجةً في نفوسنا لتلقّي العلوم الدينية في أوقات تتيحها الدراسات الإلكترونية بعيدا عن إحراجات ومزاحمات المعاهد الحضورية".
لافتًا، إلى أنّ " طالب العلوم الدينية في الدراسة المباشرة يتعلّم من زهد أستاذه، ووقاره، وطريقة تعامله مع الآخَرين، قبل أن يتعلّم من قلمه، فهذا الرابط الروحي والتربية السلوكية المباشرة، يصعب نقله بالكامل عبر الشاشات الرقمية".
ويكمل، "إنّ المذاكرة التفاعلية اليومية بين الطلاب بعد انتهاء الدرس المباشر، تصنع شخصية الطالب العلمية وتصقل قدرته الحوارية، وهذا أمر يفتقده التعليم عن بعد بشكل كبير، على الرغم من محاولات الاستعاضة عنه بمجموعات التراسل والمنتديات التفاعلية".
