image alt

عندما تنطق الجدران.. من قصص المدينة الخالدة

الكاشي الكربلائي

عندما تنطق الجدران.. من قصص المدينة الخالدة

في كربلاء، لا تتحدث الجدران بلغة الحجر وحده، وإنما تنطق بألوانٍ حفظت التاريخ، وخطوطٍ عربية حملت آيات القرآن، وزخارفٍ امتزجت فيها الروح بالفن حتى غدت جزءًا من هوية المدينة المقدسة.

فكلّ مَن يَقف أمام جدران العتبتين المقدستين أو يتأمّل القباب والمآذن والأواوين، يجد نفسه أمام فنٍ لم يكن مجرد مادة للبناء، بل سجلًّا حضاريًا يحكي قرونًا من الإبداع العراقي، إنّه الكاشي الكربلائي.

هذا الفن الذي التصق باسم كربلاء حتى أصبح يُعرف بها، لم يولد صدفة، بل تشكّل عبر مئات السنين من الخبرة، وتوارثته الأيدي جيلاً بعد آخر، ليصبح واحدًا من أبرز الفنون الإسلامية التي ارتبطت بالهوية الدينية والثقافية للمدينة، واستُخدم في تزيين المراقد المقدسة والمساجد والجوامع والمقامات؛ لما يمتلكه من جمالٍ فنيّ ودقةٍ في الزخرفة وتناسقٍ في الألوان، فيمنح المكان هيبةً وروحانيةً خاصة.

وعلى الرغم من أنّ الكاشي يُنظر إليه بوصفه قطعة خزفية مزخرفة، إلّا أنّ وراء كل قطعة رحلة طويلة تبدأ من الطين، وتنتهي على جدرانٍ يقصدها ملايين الزائرين من مختلف أنحاء العالم.

desc-bce5dffa9c5232e3.jpeg

يقول صاحب معامل كربلاء للكاشي الكربلائي في منطقة الحي الصناعي، السيد أيسر السيد علي الرسام الكربلائي، إنّ "الكاشي الكربلائي هو نوع من البلاط المصنوع من الطين، يُحرق داخل أفران خاصة، ثم يُزخرف ويُغطّى بطبقة زجاجية تُعرف بالمينا، وهي التي تمنحه لمعانه المميز وألوانه الزاهية".

مضيفًا، "وتتزين واجهاته بالنقوش النباتية والهندسية والخطوط العربية والآيات القرآنية والعبارات الدينية التي أصبحت علامة فارقة لهذا الفن".

لكنّ الحكاية أقدم بكثير من عمر الورش الحديثة.

فبحسب الرسام، تمتد جذور هذه الحرفة إلى حضارات العراق القديمة، إذ تأثرت بفنون الحضارتين السومرية والبابلية، ولا سيما بما تجسد في بوابة عشتار الشهيرة التي ما زالت شاهدة على براعة العراقيين في صناعة الطابوق المزجّج.

desc-1625fe6f812bf887.jpeg

ومع تعاقب العصور الإسلامية، ازدهرت هذه الصناعة أكثر مع تزايد الاهتمام بعمارة المساجد والمراقد، حتى أصبحت كربلاء أحد أهم مراكز إنتاج الكاشي في العراق والعالم الإسلامي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ العراق يُعدّ الموطن الأول لصناعة الخزف المزجّج، إذ استخدم سكّان بلاد بين النهرين الطابوق الملوّن والمغطّى بطبقات زجاجية منذ آلاف السنين، قبل أن تنتقل هذه التقنيات إلى العصور الإسلامية وتتطوّر بشكل كبير في العصر العباسي.

فيما وجدت كربلاء في تربتها الحمراء وطينها المُستخرَج من ضفاف نهر الحسينية المادة المثالية لإنتاج هذا الفن، حتى أصبحت المدينة أشهر مراكزه على مستوى العراق.

يقول الرسام، إنّ "والده الراحل السيد علي الرسام أسّس الورشة عام 1967، وكان يرسم الزخارف التراثية المعقدة بأدوات بسيطة، مستعينًا بخبرة اليد أكثر من اعتماده على الآلة".

مضيفًا، "بينما شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا بعد دخول المكائن الحديثة إلى معامل وورش العتبتين المقدستين، الأمر الذي حافظ على أصالة الفن، وفي الوقت نفسه رفع من جودة الإنتاج ودقته".

desc-cdfa12f224c25758.jpeg

مراحل الانتاج

وتبدأ رحلة صناعة الكاشي بتشكيله وصبغه يدويًا، ثم إدخاله إلى أفران تصل درجات حرارتها إلى نحو تسعمائة درجة مئوية، ليكتسب صلابته ومتانته، قبل أن تُنفّذ عليه اللوحات الخطية والزخرفية التي تحتاج إلى دقة متناهية.

وبعد انتهاء الحرق، يَحتفظ الكاشي بألوانه الزاهية لسنوات طويلة، ويتميّز بمقاومته للعوامل الجوية ودرجات الحرارة المرتفعة، الأمر الذي جعله الخيار الأمثل لتزيين المراقد المقدسة والمساجد في العراق وخارجه.

إلّا أنّ هذه الحرفة العريقة لم تخلُ من التحديات.

فبحسب الرسام، إن انتشار الكاشي المستورد الذي يُنتَج بكميات كبيرة أثّر على مكانة المنتج المحلي، إذ تعاني بعض المنتجات الأجنبية من أخطاء واضحة في الخط العربي والحركات، بينما يمتاز الكاشي الكربلائي بدقّة الخطوط والتزامها بالقواعد الفنية الأصيلة، سواء في خط الثلث أو النسخ أو الرقعة، وهي خطوط تتطلّب خبرة طويلة وصبرًا كبيرًا لإنجازها.

ويشير إلى أنّ والده كان من بين الفنانين الذين تشرّفوا بالمساهمة في تزيين ضريحَي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام في سبعينيات القرن الماضي، فضلًا عن مشاركته في زخرفة عدد كبير من المساجد والحسينيات والمقامات داخل كربلاء وخارجها، وهو ما يجعل الكاشي الكربلائي أكثر من مجرد حرفة، بل رسالة فنية وروحية تنتقل بين الأجيال.

desc-cd77c310aff2494c.jpeg

العتبة العباسية المقدسة

ولأنّ الحفاظ على هذا الإرث لا يتحقّق بالحديث عنه فقط، فقد عملت العتبة العباسية المقدسة على تطوير هذه الصناعة على وفق معايير عالمية، عبر مشروع متكامل لإنتاج الكاشي الكربلائي التقليدي بمواصفات حديثة.

رئيس قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، المهندس ضياء مجيد الصائغ، يؤكّد أنّ "المشروع جاء بهدف إنتاج بدائل عراقية عالية الجودة للمواد المستخدمة في البناء والزخرفة داخل العتبات المقدسة، مع المحافظة على الطابع التراثي والمعماري الأصيل للكاشي الكربلائي".

ويبيّن، "الدراسات الأوليّة للكاشي القديم أظهرت أن عمره الافتراضي يتراوح بين عشرين وثلاثين عامًا، قبل أن تبدأ خواصه الفيزيائية والكيميائية بالتراجع، فيظهر التقوس، وتتقشر الأسطح، وتفقد الألوان بريقها، فضلًا عن تفاوت الأبعاد والزوايا، وارتفاع نسبة امتصاص الرطوبة نتيجة اعتماد الصناعة بالكامل على العمل اليدوي واختلاف مهارة الصناع".

ومن هنا بدأت رحلة البحث عن صناعة أكثر تطورًا.

اختيرت أنواع متعددة من التربة لتكوين مزيج يمنح الكاشي أعلى درجات المقاومة والعزل مع نسبة أملاح تقترب من الصفر، ثمّ جرى تحويلها إلى معمل ميكانيكي متكامل تُغسل فيه التربة وتُحضّر العجينة، قبل أن تمرّ عبر مكائن قطع حديثة وقوالب خاصة تحقق تساوي السمك والطول والعرض وزوايا دقيقة، لتدخل بعدها تحت ضغط كابسات عملاقة تبلغ قوتها ثمانمائة طن، فتختفي المسامات الهوائية تمامًا، وتصبح نسبة امتصاص الرطوبة صفرًا بالمئة.

ثمّ تُغطى بطبقة أساس بيضاء وتدخل الأفران الحرارية، قبل الانتقال إلى مرحلة النقش والزخرفة.

والنتيجة كانت كاشيًا يتميز بأبعاد دقيقة، وزوايا حادة، وسطح مستوٍ، ومقاومة عالية، وعزل حراري ممتاز، وثبات في الألوان، وعمر خدمة أطول بكثير من السابق.

desc-c2cd9e0e89399dc5.jpeg

تعدد الأنماط

وتتنوع أنماط الكاشي الكربلائي بين الزخارف الهندسية القائمة على المثلثات والمربعات والمسدسات، والزخارف النباتية التي تستلهم الأزهار والأغصان والأوراق، فضلًا عن الخط العربي الذي يحتلّ مكانة خاصة، ولا سيما الخط الكوفي البسيط الذي يُعدّ من أكثر الخطوط استخدامًا في هذا الفن.

واليوم، لم يعد الكاشي الكربلائي يزيّن العتبات المقدسة في العراق فحسب، بل وصل إلى بلدان عربية وأوروبية والولايات المتحدة، حاملاً معه هوية مدينةٍ استطاعت أن تحوّل الطين إلى فنّ، والزخرفة إلى رسالة، والخط العربي إلى شاهدٍ خالد على حضارة العراق.

وعلى الرغم من كلّ ما تواجهه هذه الحرفة من تحديات، فإنّها ما تزال صامدة بفضل الحرفيين الذين يواصلون نقل أسرارها من الآباء إلى الأبناء، وبفضل المؤسسات التي آمنت بأنّ حماية التراث لا تكون بالحفاظ على الماضي فقط، بل بتطويره أيضًا، ليبقى الكاشي الكربلائي لوحةً عراقيةً خالدة، تروي للأجيال أن بعض الجدران لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُشيّد بالذاكرة والفن والإيمان.

desc-57bd18ae2403f59b.jpeg