
لا يخفي الباحث عباس زغير انزعاجه مما يعده تلوثا بصريا يجتاح مدينة كربلاء المقدسة، مشكلا على الجهات المسؤولة ما يصفه (بترك الحبل على الغارب).
فالأستاذ عباس المختص في الشأن البيئي، يرى أن غياب التخطيط الحكومي والمتابعة أسهما في انتشار هذه الظاهرة التي يصنفها ضمن الملوثات البيئية التي ألمَّت بالمدينة.
فيقول، "التلوث البيئي لا يقتصر على الهواء أو على المياه أو الطبيعة، بل يتعدى ذلك إلى التلوث البصري، والمتمثل بعشوائية مظاهر البناء وغياب الذوق والتنظيم المفترض لوضع كل مدينة".
مبينا، "نلحظ بشكل جلي التشويه المستمر لواجهات المباني الحديثة في كربلاء التي لا تراعي الذوق العام أو الطراز المعماري الواجب مراعاته".
ويضيف، "بين مبنى وآخر تجد حالات شاذة سواء على صعيد حجم المبنى ومظهره أو طبيعة الواجهات التي يتصف بها".
مشيرا، "ممارسات بعض ذوي المحال التجارية تعكس جشعا بشكل بشع انعكس على مظهر المدينة".
موضحا بأن، "أغلب أصحاب المتاجر متجاوزون على الأرصفة؛ لعرض البضائع مما يسهم بشكل كبير في التلوث البصري، والبيئي، إلى جانب الضرر الناجم عن تضييق المساحات لسير أهالي المدينة وزوارها".
تلك الرؤية التي يطرحها الباحث عباس زغير يتفق معها الأعم الأغلب من الأهالي، ولا يخالفهم بذلك زوار مدينة كربلاء المقدسة التي يقصدونها من داخل العراق وخارجه على مدار أيام العام.
إذ تعد مدينة كربلاء المقدسة من أهم المدن السياحية في العالم، وتستقطب عشرات الملايين من الزوار سنويا، خصوصا خلال الزيارات الضخمة كزيارة الأربعين، وزيارة النصف من شعبان.
وتضم المدينة القديمة في كربلاء أكثر من 10 شوارع مهمة، وأضعافها من الأزقة أو التي تسمى الفروع أو (العكود) تضرب جذورها في أكثر من 1100 عام.
يقول السيد علي حسين من سكان المدينة القديمة في كربلاء إن "هناك مع الأسف كثيرا من المباني المشيدة حديثا لا تراعي واجهاتها النسق والذوق العام وتسهم في تشويه المظهر العام".
موضحا، "بعض الملاك يبحثون عن الربح السريع وعدم التكلفة إلى جانب فقدانهم للثقافة المطلوبة عند تصميم واجهات المباني العائدة لهم، الأمر الذي يترك انطباعا سيئا لدى المشاهد".
ويضيف، "بعض المباني المشوهة تفتقر إلى أبسط أشكال الجمالية الواجب مراعاتها في التصميم والطراز المناسب".
موضحا أن "هناك من هو متأثر بالطراز الغربي على سبيل المثال، إلا أنه غير مدرك ان هذه الواجهات تشوه النظام والذوق العام لمباني المدينة".
في الوقت ذاته أعرب عباس السماوي الذي وفد من محافظة المثنى جنوب العراق لزيارة العتبات المقدسة في كربلاء عن اندهاشه الكبير لمدى التطور العمراني الذي تشهده مدينة كربلاء، لافتا إلى وجود بعض المشيدات الأهلية التي تعكس تشوها ملحوظا، كما يقول.
ويرى أنه "يجب مراعاة وضع المدينة من كافة الأوجه، خصوصا ما تحمله من قدسية وهوية إسلامية".
مضيفا، "يجب ان تنبثق من طابعها الخاص السمة التشكيلية لمظاهر جميع مشيداتها".
ويتابع، "لا بأس من توظيف الحداثة والمعاصرة في تصميم الواجهات لكن على ان لا تؤثر على الجانب الروحي للمدينة المقدسة".
بدوره لفت المهندس المعماري أحمد عبد علي، الذي وفد من العاصمة العراقية بغداد إلى كربلاء للزيارة، إلى أن "المفترض أن تضع السلطات المحلية المعنية حزمة من القوانين المنظمة لواجهات المباني في المدينة".
ويقول، "من المهم أن تشكل لجنة دائمة في محافظة كربلاء المقدسة تعمل على دراسة وتنظيم ومنح الموافقات الرسمية بعد إلزام الملاك بالتصاميم المراعية لهوية كربلاء التاريخية لدى تشييدها".
موضحا، "جميع مدن العالم التاريخية تجد أن لديها إدارات متخصصة في رسم واختيار الواجهات الخاصة بالمباني، إذ لا تسمح مطلقا بأي مظهر من المظاهر الذي يخالف الطراز المعماري التاريخي، كما هو الحال في اليونان وفرنسا ولندن وبعض العواصم والمدن الإسلامية".
ويضيف بأن "تقنيات البناء والتشييد في تغير مستمر، وترتبط بعوامل اجتماعية وفنية وهندسية تتعلق بالفرد والمدينة على حدٍّ سواء، فاستخدام مختلف التقنيات العمرانية من دون ضوابط ومعايير يعرض المشهد الحضري للمزيد من التشوه والعمرانية التي قد تخلق رؤية عمرانية لا تتناسب والمشهد المورفولوجي الذي تفرضه شخصية مدينة كربلاء وواقعها الحضري".
ويختتم، "على المعنيين بهذا الأمر المهم في كربلاء المقدسة الاستفادة من الخبرات العلمية للمنظمات والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية التي تهتم بفنون العمارة الإسلامية، من خلال دعوتهم للمشاركة في المؤتمرات التي تنظم في المدن الدينية المقدسة، كمنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، ومركز الابحاث للتاريخ والفنون والثقافة الاسلامية (إرسيكا) بإسطنبول التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، ومؤسسة الآغا خان للثقافة والعمارة ومقرها في جنيف بسويسرا، وكذلك الهيئات العلمية والأكاديمية العراقية والدولية لاستشارتها في إعادة الوجه الحضاري للمدن الدينية المقدسة في العراق.
دور العتبات المقدسة
من جانبها تسعى العتبات المقدسة إلى الحفاظ قدر الإمكان على الحد من التشوه البصري الناجم عن بعض المباني المشيدة حديثا، إلى جانب معالجة الإشكاليات ذات العلاقة التي تسفر عنها بعض المباني المتهالكة والقديمة.
يقول الشيخ حبيب حميد هاشم معاون رئيس قسم بين الحرمين في العتبة المقدسة إن "القسم يتبنى منذ تأسيسه معالجة هذه الظاهرة قدر الإمكان، عبر ملاكات شعبة الفنية".
مبينا بأننا "وضعنا جملة ضوابط ومعايير تعنى بإظهار جمالية المدينة وحماية قدسيتها".
ويضيف، "تشمل تلك الضوابط حماية جميع المرافق والبنى التحتية للمنطقة القديمة إلى جانب اللوحات والواجهات الدعائية الضوئية وغير الضوئية".
مشيرا إلى أننا "نمنع أي تغيير يقدم عليه أصحاب المباني دون موافقة مديرية بلدية كربلاء وبحضور موظف من قبلها".
وبحسب الشيخ حبيب فانه سبق لقسم بين الحرمين أن تبنى أيضا معالجة ظاهرة الدور القديمة المهجورة، خصوصا المهدمة جزئيا أو كليا.
ويقول، "أجرى منتسبو القسم جردا متكاملا لجميع الدور المهدمة أو الآيلة للسقوط، خصوصا التي تشوه جمالية المدينة أو تشكل بعض منها خطرا على حياة المارة".
موضحا، "اختير إجراء عمليات هدم أو ترميم بالتنسيق مع المؤسسات المعنية أو مع أصحاب تلك الدور".
وبأسف واضح بدا بين ثنايا كلماته، طالب معاون رئيس القسم مديرية بلدية كربلاء بإصدار ضوابط خاصة بتشييد المباني الحديثة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة.
معلقا بأن "أغلب الفنادق والتصاميم الحديثة لا تراعي طبيعة المدينة وتراثها الإسلامي بسبب غياب دور مديرية البلدية وخلو إجازات البناء التي تصدرها من الضوابط والمعايير المراعية لذلك".