
تبدو الحيرة جلية على وجه عبد الله، فهو منذ عشر دقائق يتنقل من رصيف إلى آخر باحثًا عن موقف مناسب لدراجته النارية، في حين يبدو عليه الاستعجال وهو يعاين ساعته اليدوية بين الفينة والأخرى، فكما يبدو أن سبب استعجاله هو الوصول إلى مقر عمله في الوقت المحدد.
وبحسب عبد الله فإن معاناته مع الحصول على موقف لدراجاته النارية باتت شبه يومية، خصوصاً مع عدم وجود موقف عمومي للمركبات قرب مقر عمله، إلى جانب منع أصحاب المنازل والأسواق التجارية في المدينة القديمة بكربلاء المقدسة إيقاف الدراجات النارية أو الهوائية في مواجهة املاكهم.
يقول عبد الله، "هذه الإشكالية ليست قاصرة عليّ فقط، فالمئات من زملائي في العمل يعانون منها يومياً".
ويضيف، "باتت أرصفة وشوارع المدينة من المحرمات ولا تتوفر ساحات لوقوف العجلات إلى جانب اشغال جميع الأرصفة من قبل أصحاب المحال التجارية".
ويتساءل عبد الله متهكماً، "بأي مزاج وحافز ابتدئ عملي وأنا أعاني كل صباح هذه المعاناة التي لا يلتفت إليها أحد".
مدينة بلا أرصفة
وأبرز ما يلاحظ خلال التجوال في شوارع وأزقة المدينة القديمة إشغال جميع الأرصفة، أما من خلال أصحاب المحال التجارية، أو من خلال الباعة المتجولين.
في حين يفترش الزائرون تلك الأرصفة خلال مواسم الزيارات، الضخمة منها والمحدودة العدد.
وكما يبدو أن ما يعانيه عبد الله بات ظاهرة عامة تواجه معظم منتسبي العتبات المقدسة في كربلاء،
فيروي علي حمزة الذي ينتسب إلى العتبة العباسية المقدسة إنه يعاني هو الآخر من صعوبة الحصول على موقف لسيارته.
فيقول، "اضطر يومياً بالتوجه إلى العمل قبل أكثر من ساعتين من بدء ساعة الدوام".
موضحاً، "أقدم مبكراً جداً للحصول على موقف لسيارتي قبل أن تمتلئ جميع الشوارع بالمركبات".
ويظهر أن هذه المعاناة لا تقتصر على منتسبي العتبات المقدسة، بل طالت بعض سكان أحياء المحافظة ممن يفدون للزيارة أو قضاء بعض مصالحهم في المدينة القديمة".
فجعفر حامد الذي يملك هو الآخر دراجة نارية لم يخفِ تذمره من هذه الظاهرة، فيقول، "اعتدت منذ سنوات أن أؤدي مراسيم زيارة الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام، إلا أني قد أحرم من هذه النعمة في حال بقي الحال كما هو عليه".
مبيناً، "يوماً بعد يوم تنحسر الأرصفة الشاغرة وأعاني في الحصول على مكان فارغ لركن دراجتي النارية".
ويضيف، "المرائب الأهلية تأخذ مبالغ تعد مكلفة لركن العجلات ولا تراعي أوضاع بعض الزائرين المادية".
وتنتشر العشرات منها في داخل المدينة القديمة، وهي بطبيعة الحال أراض لمنازل مهدمة استغلها أصحابها لتأسيس مرائب تجارية، إلا أنها تأخذ مبالغ مرتفعة نسبياً بحسب آراء المواطنين.
بدوره يعزو المواطن أحمد عبد الجبار إلى أصحاب المحال التجارية جانبا من الأزمة الحاصلة، مشيراً إلى استغلال الأرصفة ومساحات كبيرة من شوارع المدينة من دون وجه حق.
فيقول، "معظم أصحاب الأسواق التجارية يصادرون الرصيف من خلال عرض بضائعهم عليها، إلى جانب تأجير بعضهم لتلك الأرصفة المواجهة لمحالهم إلى الباعة المتجولين".
ويضيف، "كما يبادر العديد منهم إلى التجاوز على أمتار من الشوارع المواجهة لمحالهم عبر وضع لافتات عدم الوقوف على الرغم من أن بلدية المدينة تتيح لأصحاب العجلات الوقوف المؤقت".
مشيراً، "أرى هذا الأمر أنانية غير مقبولة ومخالفات قانونية لا يوجد من يتابعها".
داء مزمن
إلى ذلك يصف الحاج حسين الصفار هذه الظاهرة بالداء المزمن، بادياً شكواه من تراكم الدراجات النارية والهوائية حول باب منزله بشكل متكرر يومياً.
فيقول، "أجد باب منزلي محاطاً يومياً بعشرات الدراجات، فيما يمتلئ الزقاق أيضاً، بصورة مشوِّهة ويتسبب بالتضييق على المارة".
مبيناً، "وضعت لافتة أمام منزلي لمنع الوقوف، وأيضاً تقدمت بعدة شكاوى إلى إدارة العتبة العباسية المقدسة".
ويضيف، "في الغالب يقدم منتسبو قسم حفظ النظام التابع للعتبة إلى إجبار أصحاب الدراجات على إخلاء الزقاق إلا أن الأمر لا يدوم طويلاً حتى يملأ من غيرهم".
ويرى الصفار إن على العتبة العباسية المقدسة أن توفر مرائب خاصة لمنتسبيها، معلقاً، "هذا الأمر سيخفف من شدة الأزمة ويجنب كثيراً من الإشكاليات".
قسم حفظ النظام
اقتراح الصفار لقي ترحيباً من قبل مسؤول شعبة حماية الأبواب في قسم حفظ النظام الأستاذ مؤيد ساجد عبد الرضا، مبينا الضغوط التي يتحملها منتسبو القسم بسبب هذه الظاهرة.
"اضم صوتي إلى المطالبين بتبني إدارة العتبة المقدسة انشاء عدد من المرائب الخاصة بالمنتسبين".
ويضيف، "كثير من المنتسبين تعرضوا إلى غرامات مالية بالإضافة إلى التخريب المتعمد التي تلحق أحيانا بمركباتهم عند ركنها في الأماكن العامة، مثل كسر الزجاج وإلحاق الضرر بصبغ العجلة وأيضاً تحطيم المرايا الجانبية بشكل غير متعمد من قبل المارة".
ويتابع، "شوارع المدينة القديمة باتت غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة للعجلات والمركبات".
ويذكر المسؤول في قسم حفظ النظام إن العتبة المقدسة لجأت مسبقاً إلى الحد من دخول المركبات إلى المدينة القديمة لغير المعرفين أو للمتجولين للحد من الاختناقات والإشكاليات الناجمة عن الاكتظاظ.
بلدية المدينة بلا حلول
من جانبها امتنعت مديرية بلدية مركز محافظة كربلاء عن التعليق على الأمر، محيلة بشكل غير مباشر ذلك إلى إدارتي العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية.
فيما وصف أحد مسؤولي المديرية الذي رفض ذكر اسمه عدم قدرة البلدية على إنشاء مرائب خاصة في المدينة إلى (حيازة العتبات جميع المساحات الشاغرة لصالحها).
العتبة العباسية المقدسة
الأستاذ جواد الحسناوي أحد أعضاء مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة، أبدى حرصه على ما وصفه "أمن وأمان ممتلكات منتسبي العتبات المقدسة والمواطنين على حد سواء".
مبيناً، "إدارة العتبة على إدراك تام بالعناء الذي يحيط بهم للحصول على أماكن لركن المركبات".
كاشفاً، "من ضمن الخطط التوسعية التي وضعتها العتبة العباسية المقدسة هو إنشاء مرآب كبير داخل المدينة القديمة ووضع آلية للدخول خاصة بالمنتسبين".