برفقة عائلته، شدّ أبو زهراء صادق صبري رحاله من محافظة بغداد قاصدا كربلاء المقدسة؛ من أجل زيارة المراقد المقدسة، والإفطار مع عائلته في منطقة بين الحرمين الشريفين، في مشهد يتكرر كلّ عام، حاملًا معه الشوق والسكينة.
يقول أبو زهراء، "هذه الرحلة أصبحت طقسا رمضانيا ثابتا بالنسبة لي ولعائلتي، ففي كلّ عام نتوجه إلى كربلاء المقدسة في شهر رمضان المبارك، لنمدّ مائدة الإفطار بين الحرمين الشريفين، وننتظر لحظة أذان المغرب".
ويضيف، "في هذا المكان أثر لا يشبه أي مكان آخر، ولاسيما أنّ الأصوات التي ترتفع من مآذن العتبة الحسينيّة المقدسة، وتُردّد الأدعية والابتهالات مع اقتراب موعد الإفطار، تمنحنا شعورا بالطمأنينة والراحة، فنحن نجلس في أطهر بقاع الأرض".
ولا يقتصر الأمر على فترة الإفطار فحسب، فالطريق إلى كربلاء يحمل هو الآخر معانيَ خاصة، إذ يبيّن أبو زهراء، "الاستعداد للسفر وتهيئة مستلزمات العائلة يرافقه شعور بالشوق للقاء الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، فضلًا عن رؤية الجموع المؤمنة التي تتوافد من مختلف المحافظات، مما يعزز روح الألفة والتكافل بين الزائرين".
وباتت مدينة كربلاء التي تحتضن العتبات المقدسة في العراق مقصدا لمختلف العوائل من داخل العراق وخارجه، خصوصا بعد الاستقرار الأمني المشهود الذي تشهده البلاد وتوفر خدمات السكن والتنقل الميسرة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أنّ المدينة تستقبل أكثر من خمسين مليون زائرًا سنويا، فيما تشهد المدينة في أثناء المناسبات الدينية زيارات مليونية ضخمة تُعدّ الأكبر من نوعها في العالم.
فيما تُعدّ منطقة بين الحرمين المقدسين المكان الأكثر اكتظاظا بعوائل الزائرين؛ نظرا لما لها من مكانة مُقدّسة في نفوسهم، إلى جانب الجمالية التي تتصف بها، فضلًا عن الساحات والطرق المحيطة بالعتبتين المقدستين.
إذ تفترش العوائل الوافدة الأرض لتناول الإفطار والاستراحة والاستجمام.
من جانبه يلفت حسين الوداعي من البحرين، وهو يصف كيف ان هذه الموائد تقرّب بين الناس، "في كلّ عام، نرى الزائرينَ من مختلف الدول العربية والإسلامية يأتون حاملين معهم حبًا للمرقدين في هذا الشهر المبارك، شهر الوحدة، حيث تتوحد القلوب في سبيل السلام والإيمان".
ويضيف، "كنّا نسمع عن كربلاء في أحاديث الأجداد، والآن نعيشها، فالموائد هنا هي رمز للأخوة، والكرم، وكلّ زائر يشعر أنّه في بيته".
هكذا تظل منطقة كربلاء المقدسة بمراقدها المقدسة رمزًا للرحمة، والضيافة، والوحدة في شهر رمضان، حيث يتجسد فيها حلم كلّ مسلم وزائر بأن يكون قريبًا من القداسة والروحانية، إذ تتميز العتبات المقدسة في استقبالها للزائرين.
فمدينة كربلاء، التي تُعدّ اليوم مدينة مليونية، تستقبل الزوار من كل أنحاء العالم في شهر رمضان.
مضيف العتبة المقدسة
من جانبه يبين المهندس عادل جعفر تقي الحمّامي، رئيس قسم المضيف في العتبة العباسية المقدسة، "في الأيام الاعتيادية توزع وجبات الغداء والعشاء يوميا، فضلًا عن وجبات الإفطار في ليالي وأيّام الجُمَع، ويتجاوز مجموعُها (١٥,٠٠٠) وجبة يوميا".
ويضيف، "في الزياراتِ المليونيّة تُفتح منافذ عِدّة، وتجهز الوجبات على مدار الساعة، فضلاً عن توفير مواد أوّلية دعما لمواقع العتبة المقدّسة الخدميّة داخل محافظة كربلاء المقدّسة وخارجها، ليتجاوز العدد (٢٠٠,٠٠٠) وجبة يوميا".
ويبين، "تقدم الوجبات العراقية العربية الأصيلة، من أبرزها، الرز والمرق مع اللحم أو الدجاج، ومصنعات الدجاج واللحم، وأنواع الشوربات، فضلًا عن سائر أطباق المائدة العراقية، مع تنويع الوجبات يوميا بما يلبّي أذواق الزائرين الكرام".
ويبين، "تُؤمَّن أغلبُ المواد الغذائية من منتجات العتبة العباسية المقدسة، ومنها شركة نور الكفيل، أمّا بقية الموادّ فتُجهّز من الصناعات العراقية الرصينة التي تتوافر فيها أعلى معايير الجودة والسلامة الصحيّة، وتكون خاضعةً للفحص المختبري قبل اعتمادها".
تُراعى الاشتراطاتُ الصحية المناسبة لكبار السن في جميع الوجبات دون استثناء، تحسبا لهذا الأمر المهم، ويمكن للزائر الكريم إضافة ما يناسب حالته الصحية الخاصة، إذ تتوافر على مائدة المضيف المبارك مختلف الاحتياجات الممكنة.
من جانبه يقول معاون رئيس قسم المضيف في العتبة العباسية المقدسة، السيد حسن محمد هاشم، إنّ "القسم أعدّ خطة خدمية متكاملة لتقديم وجبات الإفطار للزائرين طيلة أيام الشهر الفضيل، مع تنظيم آليات العمل بما يضمن انسيابية التقديم وجودة الخدمة".
ويضيف، "القسم يقدّم يوميًّا 3500 وجبة إفطار للزائرين، فيما يتضاعف هذا العدد في ليالي الخميس والجمعة والسبت في ظلّ ارتفاع أعداد القادمين لزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)".
ويتابع هاشم، "الخطة تتضمّن كذلك تقديم وجبات الإفطار والسحور لمنتسبي العتبة المقدسة، دعمًا لجهودهم المتواصلة في خدمة الزائرين وإحياء أجواء الشهر الفضيل".
رِضًا وامتنان
أظهر عدد من الزائرين امتنانهم للعتبة العباسية المقدسة وما توفره من خدمات لهم.
فيقول الحاج محمد كاظم الشمري، من محافظة بابل ناحية الشوملي، "وجبات الإفطار التي قُدّمت كانت متكاملة من حيث النوعية والكمية، إذ ضمّت مختلف الاطعمة التي يحتاجها الصائم بعد يوم طويل من الصيام، فضلًا عن حسن التنظيم وسرعة التوزيع، وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة لخدمة الزائرين الكرام".
ويضيف، "لمسنا روح الكرم والتفاني في العمل من لدن الخَدَم، فالأجواء الإيمانية بين الحرمين الشريفين مع هذه الموائد المباركة تمنح الصائم شعورا بالراحة والسكينة، وتجعل من لحظات الإفطار ذكرى لا تُنسى".
ويتفق ناجي عبد الرضا جاسم من محافظة الديوانية مع الحاج محمد، فيما تقدّمه العتبات المقدسة في كربلاء من خدمات للزائرين فيشير إلى، "أن توفير هذه الأجواء الروحانية والإيمانية مع تقديم طعام مجاني، يدلّ على كرم العتبات المقدسة وحسن استقبالهم للزائرين الوافدين لزيارة المراقد المقدسة".