image alt

النجف تحتفي بمصحفها

النجف تحتفي بمصحفها



في قلب الحكاية، حيث يلتقي الفن بالإيمان، وتتحوّل الحروف إلى أثرٍ خالد، يلمعُ اسم الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي، بوصفه بطل قصةٍ لم تُكتب كلماتها بالحبر فقط، بل بالصبر والتجربة واليقين.

إنها قصة (مصحف النجف الأشرف)، المشروع الذي لم يكن مجرّد عملٍ فني، بل مسيرة زمنٍ طويلٍ من الجهد الجماعي، حمل فيها الركابي عبء الحرف، بينما حملت مؤسساتٌ دينية وثقافية عراقية مسؤولية إخراج هذا الأثر إلى النور.

وُلدت فكرة إصدار مصحفٍ شريف يحمل اسم النجف الأشرف، المدينة التي طالما كانت حاضرة العلم والفقه والتفسير.

بقيت الفكرة حبيسة الظروف والتحديات لسنوات، حتى جاء الوقت الذي تهيأت فيه الأسباب، لتتحوّل إلى مشروعٍ فعليّ قبل نحو خمس سنوات من اكتماله، حين أُسندت مهمة كتابة المصحف إلى الخطاط عبد الحسين الركابي.


يصف الركابي تلك اللحظة أنها كانت مزيجًا من الفخر والرهبة، إذ لم يكن التكليف عاديًا.

فكتابة المصحف الشريف ليست شأنًا فنّيًا فحسب، بل مسؤولية دينية وتاريخية، تتطلب التزامًا صارمًا بقواعد الرسم القرآني، ودقةً متناهية في التنفيذ، ومنذ تلك اللحظة، دخل الركابي في عزلةٍ إبداعية، كرّس فيها وقته وجهده لإنجاز هذا العمل.


اختار أن يكتب المصحف بخط النسخ، على ورقٍ طبيعي (مقهر)، باستخدام حبرٍ طبيعي، وبقياسات كبيرة (50×70 سم).

كانت كل صفحةٍ تُكتب بعنايةٍ شديدة، إذ يتعامل مع الحرف ككائنٍ حيّ، يجب أن يُولد متوازنًا بين الجمال والدقة.

استغرقت هذه المرحلة قرابة خمس سنوات من العمل المتواصل، لم تكن تخلو من التحديات الفنية والنفسية.

كان التحدي الأكبر أمام الركابي هو تحقيق التوازن بين جمالية الخط ووضوح القراءة فالخطاط كما يقول، لا يستطيع في كتابة المصحف أن يستخدم كل ما لديه من تنويعات فنية، لأن النص القرآني يتطلب وضوحًا تامًا، وخلوًا من أي لبس.


لذلك التزم بالأشكال القياسية للحروف، وحرص على أن تكون الكلمات منسجمة داخل السطر، دون الإخلال بقواعد الرسم.

ومن أدق التفاصيل التي عمل عليها، توزيع الآيات داخل الصفحات، فلم يكن الأمر مجرد ترتيبٍ شكلي، بل عملية معقدة تضمن أن تنتهي الآيات في مواضع مناسبة، وألّا تبدأ فواصل الآيات في بداية السطور، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ، وهذا التحدي كان يتطلب إعادة كتابة بعض الأسطر أكثر من مرة، حتى يصل إلى التوازن المطلوب.

لكن الركابي لم يكن وحده في هذه الرحلة، فقد كانت العتبة العباسية المقدسة شريكًا أساسيًا في مراحل المشروع كلّها، إذ تولّت الإشراف الكامل على العمل، عن طريق تشكيل لجانٍ علمية وفنية متخصصة.

ضمّت هذه اللجان خبراء في علوم القرآن، وأحكام التلاوة، والرسم القرآني، إلى جانب مختصين في التصميم والإخراج الطباعي.

عملت هذه اللجان بروح الفريق، فكانت كل صفحة من المصحف تخضع لمراجعات دقيقة، قد تصل إلى عشر مرات، لضمان خلوها من أي خطأ.

لم يكن الهدف فقط إخراج مصحفٍ جميل، بل مصحفٍ دقيق، مطابقٍ لما هو متداول في العالم الإسلامي، ويحمل في الوقت نفسه بصمة عراقية أصيلة.


الاحتفاء الكبير

وفي يومٍ مميز، تزامن مع ذكرى ولادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، أُقيم حفل إزاحة الستار عن الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف، في قاعة المجمع العَلَوي بالنجف.

وشهد الحفل حضور شخصيات دينية ورسمية وأكاديمية، وكان مناسبةً لتكريم اللجان التي ساهمت في إنجاز هذا العمل.

وفي تلك اللحظة، كان الركابي يقف بين الحاضرين، ينظر إلى المصحف الذي خطّه بيديه، وقد أصبح واقعًا ملموسًا، لم يكن ذلك مجرد إنجاز شخصي، بل تتويجًا لجهدٍ جماعي، شارك فيه عشرات المختصين، بدعمٍ وإشرافٍ من العتبة العباسية، ومباركة المرجعية الدينية العليا.

وقد عبّر الركابي عن مشاعره بقوله، "الحمد لله الذي شرّفني بخدمة كتابه العزيز، ومنّ عليّ بإتمام هذه الرحلة"، مؤكدًا أن ما قدّمه هو جهدٌ متواضع أمام عظمة القرآن الكريم، لكنه يأمل أن يكون نورًا لقارئيه.

إن (مصحف النجف الأشرف) ليس مجرد خبرٍ ثقافي، بل ملحمة عملٍ عراقيّ متكامل، اجتمع فيها الفن، والدين، والعلم، ليُنتج عملًا يليق بكتاب الله.

 وفي قلب هذه الملحمة، يظل عبد الحسين الركابي شاهدًا على أن الحرف، حين يُكتب بإيمان، يمكن أن يتحوّل إلى أثرٍ خالد، يتجاوز حدود الزمن.


دحض الشبهات

في هذا السياق.. أكّد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أن الاهتمام بكتابة المصحف الشريف ليس أمرًا جديدًا، بل هو امتداد لتاريخٍ طويل من العناية بالقرآن الكريم في النجف الأشرف، التي شهدت عبر القرون إنتاج آلاف المخطوطات في علوم القرآن.

معلقا، في حفل إزاحة الستار عن المصحف، "هذا المشروع يأتي في سياق التأكيد على وحدة النص القرآني بين المسلمين".

مبينا، "المصحف واحد عند جميع المسلمين، وما هذه الإضافات المرتبطة بأسماء المدن، كالمصحف المدني أو غيره، إلا من باب التبرك والانتماء".

لافتا، "إطلاق مصحفٍ باسم النجف الأشرف يحمل دلالةً رمزية، تعكس مكانة هذه المدينة بوصفها مركزًا للعلوم الإسلامية".

كما شدد الصافي على أن هذا المصحف "يمثل ردًا عمليًا على الشبهات التي تُثار حول القرآن الكريم".

مؤكدًا على أن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) "يؤمنون بسلامة القرآن من أي تحريف أو نقصان"، وأن هذا العمل يُجسد هذا الإيمان بشكلٍ واضح.


دار الكفيل للطباعة والنشر

أدّت العتبة العباسية دورًا محوريًا في تحويل هذا المشروع من فكرة إلى واقع.

فقد وفّرت البنية التحتية، والكوادر الفنية، والإشراف الإداري، لضمان تنفيذ العمل بأعلى معايير الجودة.

كما تولّت دار الكفيل للطباعة والنشر، التابعة لها، عملية طباعة المصحف باستخدام مواد عالية الجودة، شملت الورق والكارتون والجلد والتذهيب.

ولم يقتصر العمل على الخط والطباعة، بل شمل أيضًا مراحل متقدمة من المعالجة الرقمية، إذ أُدخِل النص المخطوط إلى الحاسوب، وتمت تنقيته، وإعداده للطباعة.

كما أُنجزت تصاميم زخرفية متقنة، أضفت على المصحف طابعًا جماليًا مميزًا، دون أن تطغى على النص.