image alt

البئر (72) ... كربلاء تروي عطش نيجيريا

البئر (72) ... كربلاء تروي عطش نيجيريا


لم يكن العطش في تلك القرية مجرد حاجة يومية، بل كان سببا في تغيير مصير جيل كامل، فالشباب الذين يُفترض أن يحملوا حقائبهم المدرسية صباحا، كانوا يحملون أوعية الماء ويسيرون كيلومترات طويلة بحثا عن جرعة حياة.


إذ لم تكن المسافة مجرد أمتار تُقطع فقط، بل كانت سنواتٍ تستل من المستقبل للبحث عن جرعة حياة يومية، وتكون أولوية تتقدم على كل شيء... حتى التعليم.

وفي خضم تلك المعاناة، لم تكن النداءات مجرد كلمات عابرة، بل رسائل استغاثة متكررة وصلت إلى القائمين على العمل الإنساني في المنطقة.


يقول شمس الدين عبد الله، منسق مركز الدراسات الإفريقية في نيجيريا، "بعد المناشدات الكثيرة من أهالي المنطقة، والرسائل المتكررة لإتاحة فرصة بناء بئر لهم، لمسنا حجم المعاناة التي يعيشونها يوميا".

مبينا، "كانوا يذهبون إلى مناطق تبعد أكثر من خمس كيلومترات بحثا عن الماء وحتى عند وصولهم يواجهون زحاماً على البئر الموجود هناك".

ويضيف، "بعد دراسة المنطقة لاحظنا وجود ضرورة كبيرة لحفر بئر في هذه القرية، نضرا للحاجة الماسة إليه".


ومركز الدراسات الإفريقية أحد الشعب التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، ويتميز بنشاطه الإنساني الحثيث في القارة الإفريقية خصوصا على صعيد الدعم المادي والمعنوي للسكان.

يقول شمس الدين، "لم يكن الأمر مجرد مشروع خدمي، بل تجربة إنسانية عميقة تركت أثرها في داخلي حيث هناك مشاعر لا توصف وأنا أقدّم خدمة بهذا الصف؛ لأنّي سبب في إيصال الماء لهم".

موضحا، "لكي تتحول المناشدات إلى واقع ملموس يبدأ التنسيق الميداني مع إدارة المشروع في العراق، حيث يتواصل المنسقون مع السيد مسلم الجابري، مسؤول وحدة التبليغ في مركز الدراسات الإفريقية لوضع الخطوات التنفيذية لحفر البئر".


وتعنى الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة بدعم التماسك الاجتماعي في العراق وعموم الدول النامية انطلاقا من رسالتها الإسلامية الداعمة لحقوق الإنسان.

إذ يعزو الشيخ سعد الشمري مدير مركز الدراسات الإفريقية حفر الآبار إلى رسالة العتبة العباسية المقدسة التي تثبت أن كربلاء والعراق ليست فقط استقبال الزائرين، بل هي مصدر للرحمة خارج الحدود، وأن الماء حق أساسي لكل انسان، وأن إنقاذ قرية من العطش هو إنقاذ للصحة والتعليم والاستقرار.

ويقول، "في دول مثل مدغشقر ونيجيريا والكاميرون وغانا والسنغال، ما يزال الماء الصالح للشرب تحديا يوميا، فشحّ المياه لا يهدد الصحة فحسب، بل يهدد التعليم والعمل والاستقرار؛ لذلك كان قرارنا ألّا يكون تدخلنا آنيا، بل مشروعا منظما وممتدا".

ويضيف الشمري، "الرقم 72 ليس تسلسلًا إداريًّا، ولكنّه دليل على مسار مستمر قبله 71 بئرا وبعده مشاريع أخرى بإذن الله".

ويكمل، "نحن لا نعمل بمبدأ المبادرات المؤقتة، بل بخطة واضحة تتوسع كلّما توفرت الإمكانات".

موضحا، "اختيار موقع الحفر لا يتم عشوائيا، وفرقنا الميدانية تدرس شِدّة الحاجة وغياب مصادر المياه وتأثير المشروع على صحة الأهالي وتعليم أبنائهم".

ويضيف، "استمرارنا يعتمد على ثقة المتبرعين ودعم الجهات الخيرة وفي مقدمتها العتبة العباسية المقدسة؛ لأنّ العمل الإنساني الحقيقي لا ينجح إلّا حين يكون جماعيا مؤسسيا".


بدوره يبين مسلم الجابري، أنّ "هذا البئر رقم 72، يقع في دولة نيجيريا وتحديدا في منطقة رغاسا ليستفيد منه أكثر من 200 بيت، أي قرية كاملة كانت تفتقر إلى مصدر ماءٍ قريب".

ويتابع، "عمق البئر يتراوح من 20 إلى 25 متراً، ويصل أحيانا الى أكثر من 40 متراً، بحسب طبيعة الموقع والمكان".

ويضيف، إن "العمل لا يبدأ عشوائيا بل بعد الحصول على الموافقات الرسمية وتثبيت الموقع بشكل دقيق، ثم وضع حجر الأساس بحضور أهالي المنطقة الذين يتجمعون في يوم الافتتاح تعبيرا عن فرحتهم حيث تُقام مراسم خاصة تعكس حجم الأمل بوصول الماء إليهم".

لافتا، "قبل الشروع بالحفر نجري دراسة سكانية دقيقة للمنطقة للتأكد من عدم وجود بئر مجاور أو جهة أخرى افتتحت مشروعاً مماثلاً، فالدراسة تثبت مدى الحاجة الفعلية للبئر".

وبحسب الجابري فإنّ عملية حفر البئر الواحد تستغرق يومًا أو يومين، بحسب طبيعة الأرض ومساحة الموقع، ونتواصل مع شركات أهلية متخصصة لفحص المكان والتأكد من وجود المياه الجوفية وبعد التأكد تبدأ عملية الحفر.

مستدركا، "أحيانا تكون الطريقة يدوية قديمة عبر خمسة عمّال يستخدمون أداة الحفر اليدوية وأحيانا أخرى تُستخدم طرق أحدث تعتمد على آليات السحب بالمركبات".


ولا يقتصر عمل المركز على حفر البئر فقط، إذ يتواصل بشكل مستمر مع المنسقين في المنطقة لإجراء صيانة دورية كلّ ثلاثة أشهر لِكلّ بئر؛ لضمان استمرار وصول الماء إلى الأهالي.

وهكذا، لم يُعدّ البئر رقم 72 حفرةً في الأرض فقط، بل أصبح علامة حياة في قرية كانت تبحث عن الماء، وبين عمقٍ يتجاوز عشرين متراً في نيجيريا، وقرارٍ اتُّخذ في كربلاء، يمتد خيطٌ من الرحمة يربط الأرض بالعطاء.