image alt

شعبة الشهداء والجرحى... إجراءات قانونية بأُطر إنسانية

شعبة الشهداء والجرحى... إجراءات قانونية بأُطر إنسانية

في أروقة مؤسسة الشهداء، غرفة داخل الشعبة الحقوقية، تابعة لشعبة الشهداء والجرحى من شُعبِ العتبة العباسية المقدسة، يجلس الحقوقي مصطفى محمد ميري خلف مكتبه، يقلّب أوراق معاملة الشهيد مظهر هاشم حسن واحدةً تلو الأخرى.

كانت حركاته هادئة، ودقيقة، تعكس خبرة طويلة في التعامل مع ملفات لا تمثل أوراقًا رسمية فحسب، بل حقوقًا وتضحيات ودماءً طاهرة.

توقَّفَ قليلًا عند إحدى الصفحات، وأعاد ترتيب المستمسكات المطلوبة، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل مسؤوليةً واضحة، "هذه المعاملة يجب أن تكتمل… فحق الشهيد لا يقبل النقص أو التأخير".

وأكملَ، "هناك نقص في أوراق شهادة الوفاة، ولا يمكن المضي بالإجراءات القانونية ما لم تُستكمل".

لم يكن هذا المشهد إجراءً إداريًا جافًا، بل تجسيدًا عمليًا لرسالة شعبة الشهداء والجرحى التابعة للعتبة العباسية المقدسة، التي تلتزم بتقديم خدمات شاملة وميسّرة لذوي الشهداء والجرحى، تشمل إنجاز معاملاتهم التقاعدية والإدارية والمالية ضمن أطر قانونية واضحة، وبأعلى معايير الجودة والاحترام.

إذ أسفرت معارك تحرير المدن العراقية التي اجتاحتها التنظيمات الإرهابية عام 2014 عن سقوط آلاف الشهداء ممن لبوا فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرتها المرجعية الدينية العليا المتمثلة بآية الله العظمى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

هذا الأمر استدعى تنظيم أوضاع ذوي الشهداء والجرحى لتأمين الدعم المادي والمعنوي وشمولهم بالرعاية المفترضة بعد أن ضحى شهداؤهم بأنفسهم في سبيل الوطن.

مصطفى، كغيره من منتسبي الشعبة، يعمل ضمن فريق مؤهل يتفانى في أداء واجبه تحت مظلة العتبة المقدسة، ساعيًا إلى تقليص الروتين وتسريع الإجراءات، وتحقيق العدالة في رعاية هذه الشريحة النبيلة دون تمييز، انسجامًا مع تعاليم الإسلام وقيم المواطنة والإنسانية، فهنا لا تُعدّ الخدمة فضلًا، بل حقًا مستحقًا لذوي من بذلوا أرواحهم فداءً للعقيدة والوطن.

وتأسست شعبة الشهداء والجرحى استجابةً لتوجيهات سماحة المتولي الشرعي السيد أحمد الصافي (دام عزّه)، وبدعمٍ مستمر من الأمين العام للعتبة (دام تأييده)، وبرعاية واهتمام أعضاء مجلس الإدارة، لتكون إحدى الشعب الإنسانية التي تحمل على عاتقها تقديم الرعاية والدعم لعوائل الشهداء والجرحى، وتوثيق بياناتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، حفاظًا على حقوقهم وتخليدًا لتضحياتهم.

وفي حديثه مع ذوي الشهيد، أوضح مصطفى أن استكمال شهادة الوفاة ليس تعقيدًا، بل ضمان قانوني يحفظ حقوق العائلة كاملة دون أي إشكال مستقبلي.

مؤكدًا، "الشعبة ستتابع الموضوع مع دوائر الصحة والأحوال المدنية والمحاكم المختصة، ضمن مهامها الحقوقية التي تشمل القسامات الشرعية، وحجج الوصاية، وصور القيود، ومعالجة الإشكالات القانونية ذات الصلة".

هذا الحرص اليومي يعكس أهداف الشعبة التي تنطلق من إيمان راسخ بأن التضحية أكبر من الكلمات، وأن خدمة ذوي الشهداء والجرحى واجب مقدس.

إذ تعمل الشعبة على تسهيل الإجراءات الإدارية والقانونية، وتقليص الحلقات الروتينية، وتسريع إنجاز المعاملات التقاعدية والمالية، وتوفير خدمات شاملة تحت سقف واحد، لتقليل عناء التنقل وتخفيف الجهد عن ذوي الشهداء والجرحى.

وتحرص الشعبة على ضمان استلام المستحقات كاملة وفي مددها القانونية، من لحظة تقديم المعاملة وحتى تسليم الهويات والبطاقات المصرفية، وبناء شراكات فاعلة مع مؤسسات الدولة والعتبات المقدسة ومنظمات المجتمع المدني، بما يحقق تكاملًا مؤسسيًا في تقديم الخدمة، ويعزز صورتها الإنسانية والإعلامية كنموذج يُحتذى به في مجال التكافل المجتمعي.

وفي كل خطوة، تستند الشعبة إلى قيمها الجوهرية؛ الوفاء والولاء للوطن والمقدسات، والعدالة في التعامل دون تمييز، والاحترافية في الأداء، والرحمة والاحترام في التعامل مع ذوي الشهداء والجرحى، والتكامل والتعاون مع الجهات المعنية، والشفافية في الإجراءات وتوفير المعلومة الدقيقة، عبر ملاكات مؤهلة لهذا العمل.

أعاد مصطفى ترتيب معاملة الشهيد "مظهر هاشم حسن"، ووضعها ضمن الملفات قيد الاستكمال، مؤكدًا أن العمل سيتواصل فور توفير شهادة الوفاة، وقال بثقة تعبّر عن روح الشعبة ورؤيتها، "نطمح أن نكون روّادًا في تقديم خدمات متكاملة ومستدامة، تُجسّد قيم الوفاء والعطاء، وتُرسّخ مبدأ التكريم الإنساني والاجتماعي لتضحيات الشهداء والجرحى".

هكذا تمضي شعبة الشهداء والجرحى في مسيرتها، بين الورق والقانون والإنسان، لتبقى حقوق الشهداء مصانة، وكرامة ذويهم محفوظة، وخدمتهم مسؤولية لا تقبل التأجيل ولا المساومة.

يقول مسؤول شعبة التدقيق السيد أحمد الطيار، إنّ "مرحلة التدقيق تُعدّ خطوة أساسية ومكملة لعملية الأرشفة، وتعكس حرص الشعبة على اعتماد أعلى معايير الدقة والتنظيم في حفظ ملفات الشهداء والجرحى؛ لأنّها تمثل وثائق رسمية وحقوقًا إنسانية لا تقبل الخطأ أو الإهمال".

ويضيف، "تحديث الأضابير وإضافة المتغيرات الجديدة يسهم في بناء قاعدة بيانات متكاملة، تواكب المستجدات وتسهل الإجراءات الإدارية والقانونية، بما يضمن تقديم أفضل الخدمات لذوي الشهداء والجرحى بكل انسيابية وعدالة".

موضحا، "شعبة الشهداء والجرحى في العتبة العباسية المقدسة باشرت مرحلة التدقيق الشامل لأكثر من 10 آلاف إضبارة خاصة بمختلف تصنيفات الشهداء والجرحى".

 وتأتي مرحلة التدقيق استكمالاً للجهود التي بذلتها وحدة الأضابير التابعة للشعبة، والمتمثلة بأرشفة أكثر من عشرة آلاف إضبارة، للحفاظ على الملفات الرسمية من التلف أو الضياع أو الأضرار المحتملة، وضمان أرشفتها بصورة متكاملة ودقيقة، وخلوّها من أي خطأ أو سهو بشري قد يكون ورد في مراحل الأرشفة السابقة، فضلًا عن تحديث البيانات وإضافة المتغيرات التي طرأت على بعض الأضابير في الفترة الماضية.