يَشعر محمد عبد الزهرة بالسكينة والارتياح إثر خمس سنوات قضاها بين ردهات المشافي عليلا ومنهكا يراوده الخوف من الموت في كل لحظة.
تلك السكينة التي سكنت قلب محمد، لم تجد طريقها إليه لولا العطف الإلهي ومن ثم الالتفاتة الكريمة من لدن المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة السيد أحمد الصافي دام عِزُّه.
فمحمد الذي خضع لعملية جراحية بالغة التعقيد، وتُصنّف على وفق المعايير الطبية بفوق الكبرى، تكلّلت بالنجاح، وزراعة كلية بديلة في جسده الذي أنهكه لسنوات مريرة داء الفشل الكلوي.
فيقول، "كنت أعاني بشكل مستمر من التعب والإرهاق، الغثيان والقيء، وفقدان الشهية، وتورم الساقين والقدمين، وضيق التنفس، والحكة الشديدة، وتغيرات في التبول (قلة أو زيادة الكمية)، وارتفاع ضغط الدم، فضلًا عن صعوبة في النوم".
موضحا، "هذه هي أهم تفاصيل وأعراض مرضى الفشل الكلوي".
ذلك المرض أرهق بشكل كبير أعدادًا كثيرة من المواطنين العراقيين، خصوصا ما بعد (2003).

كما تبيّن البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسات العراقية، إلى أن أعداد المرضى المتوافدين على مركز غسيل الكلى في عموم محافظات العراق ما بين (12000 - 15000) مريض أسبوعيًا.
وما كان محمد عبد الزهرة من بين أولئك المرضى، الذين باغتهم المرض على حين غره، وعكر صفو أيامه ولياليه، وأضر به ماديا ونفسيا واجتماعيا.
ويشير محمد، وعلامات الاعياء بادية في ثنايا كلماته، "كانت حياتي طيلة السنوات التي أصابني فيها المرض، عبارة عن جلستين أو ثلاث جلسات اسبوعيا، بحسب تقدير الطبيب المشرف".
وبمقتضى تلك القاعدة الحسابية يتبين لنا أن "محمد" كان قد أمضي أكثر من 300 ساعة على أجهزة الغسيل الكلوي.
محمد أحد المئات، بل من آلاف المرضى الذين يعانون من عارض الفشل الكلوي في العراق.
وعن معاناته النفسية يعلّق محمد، "كنتُ أقابل العديد من المرضى في جلسات الغسيل الكلوي".
مُكمِلا، "حيث كنا نتشاطر الهموم والقلق، ولكن كان الموت في بعض الأحيان يمثل نهاية لتلك المعاناة، مما يجعله أمنية يحلم بها هؤلاء الأحياء الأموات ".
لكنّ ما لا يعرفه محمد، أنّ عناية السماء قاب قوسين أو أدنا، وهي أقرب إليه من حبل الوريد.
فلقد اصطكت فرائص هذا المرض، وخارت قواه، وتبددت أحلامه بيوم جديد، خوفا من مبضع الجراحين العراقيين العاملين في مستشفى الكفيل التخصصي، ممن عقدوا العزم على إجراء عملية زرع كلى لي، واستئصال التالفة، عندها خيل لي وللمرة الأولى أنّ مشرط الأطباء المختصين، هي ليست معول للهدم، بل بناء عمر جديد وولادة إنسان جديد.
ببركة حامل الراية الإمام العباس عليه السلام
دوام الحال من المحال... عبارة ترددها الحاجة أم نبأ الفتلاوي، بين حين وآخر، وهي تصف حال ابنها محمد، يوم كان في عداد المرضى المصابين بداء الفشل الكلوي.
لكنها وقد ناهزت الستين ربيعا، دائما ما تتمسك بأسباب الدعاء "لحامل الراية الإمام العباس عليه السلام"، أن يأتي لها بالمتبرع، وأن تستحصل الموافقات الرسمية، وأن تُغطّى جميع تكاليف ونفقات إجراء تلك العملية.
وهذا ما تم فعلا بحسب قولها، وليعود محمد سليما معافى في جسده من كل أعراض ذلك المرض.
فتقول الفتلاوي، "العتبات الدينية في كربلاء، هي التي أنهت معاناتي ومعاناة الكثير من العراقيات والعراقيين الذين طالما استعانوا بمستشفى الكفيل التخصصي".
ومستشفى الكفيل هو أحد المؤسسات الصحية التابعة للعتبة العباسية المقدّسة، وجاء دعماً للقطاع الصحي في العراق عموماً، ومحافظة كربلاء المقدّسة خصوصاً، ومساهمة في سدّ جزء من النقص المذكور في المجال الصحي في العراق وتقليل اعتماد السفر للخارج، عن طريق توفير كبار الجراحين العراقيين من الداخل والخارج، إضافة لبعض الأجانب.
وتضم المستشفى (200) سرير موزعة بحسب حاجة كل اختصاص، رقود وإنعاش.
كما تحتوي على (12) صالة لإجراء العمليات الجراحية، وهو عدد أكبر من المتعارف علمياً عليه بثلاث أضعاف، وذلك رعاية من العتبة المقدسة لخصوصية المستشفى لأنّها تخدم أكثر من محافظة، ولتقليل الدور اللازم لانتظار العمليات، مضافاً إليها عيادات الطوارئ والاستشاريات والعيادات الخارجية.
وتُعدّ عمليات زرع الكلى هي من العمليات الحرجة والمعقدة جدا، بحكم ثنائية المتبرع والمتبرع له.
هذا ما حاول أن يعرض إليه الدكتور محمد الابراهيمي مختص في طب الأسرة، وهو يصف حال عمليات زرع الكلى التي تستغرق ساعات طويلة من الزمن تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ثمان ساعات.
فيقول، "هي تحتاج أيضا لإمكانيات استثنائية على مستوى الملاك الطبي والتمريضي والصحي، وحتى على المستوى التقني".
موضحا، "لتأتي بعد ذلك عملية العزل التام للمريض لمدة (90) يوما، مخافة أن يحصل له عارض طبي من ناحية رفض أو قبول الكلى الجديدة".
ويضيف، "تتم مثل تلك العمليات في ظروف صحية مثالية ودقيقة، وهذا ما سعى إليه مستشفى الكفيل التخصصي، الذي أسقط النظرية التي تقول، إنّ زراعة الكلى لا تصحّ إلّا في لبنان أو إيران أو الهند".
ويكمل، "بل العكس هو الصحيح فعمليات زرع الكلى متاحة ومتاحة جدا في العراق ولا تحتاج للسفر إلى الخارج ".

دعم ثقافة التبرع بالأعضاء البشرية
من جانبه يرى استشاري طب أمراض الكلى بمستشفى الكفيل التخصصي البروفيسور رياض الصائغ، أنّ، "السبب الرئيس للإصابة بالفشل الكلوي، هو الإصابة بمرض السكري، النوع الاول والثاني، والإفراط في تناول المسكنات والمضادات الحيوية".
ويقول، "يصل عدد المصابين الذين يراجعون وحدة غسيل الكلى في مستشفى الكفيل الى (650) مريضا، والمريض الواحد يحتاج من (2/3) غسلة في الأسبوع الواحد".
موضحًا، "عملية الغسل هي عبارة عن عملية تنقية شوائب الدم، من وجهة نظر (د. الصائغ)، وهي تعتمد على آليات متقدمة في سرعة التخلص من الشوائب، وفق حسابات دقيقة في احتساب سرعة تشكل تلك الشوائب وسرعة التخلص منها".
منوها، "مستوى الفشل الكلوي عالميا يصل الى (40%)، أما في المنطقة الإقليمية التي تحيط بالعراق تصل النسبة إلى (40%) أو أكثر، وفي العراق لدينا دراسة تقول أنّ النسبة تصل إلى (48%)".
ويضيف، "وباء كورونا هو الآخر ضاعف هذه النسبة على المستوى الوطني، وذلك بزيادة الأمراض الأولية المُسببة للعجز، فاللقاحات التي أعطيت لمرضى كورونا سببت لنا بعض المشاكل".
مبينا، "مستشفى الكفيل التخصصي حاليا يمتلك (12) جهاز لغسل الكلى من شركات مختلفة منها العالي والرصين ومنها التجاري، وذلك على أمل أن يلبّي هذا العدد حاجة المرضى، الذين يختارون بأنفسهم نوع الجهاز الذي يمكّن لهم عملية الغسل".
مشيرا، "مركز الكفيل التخصصي هو نسخة طبق الأصل لمركزٍ يُسمّى (مركز كاليفورنيا الأطلسي الطبي)، يعمل على النظام الأمريكي في إجراء عمليات زرع الكلى، التي حققنا بها نسب نجاح متقدمة ومتقدمة جدا جدا، خصوصا وأنّ عمليات زراعة الكلى في النظام الأمريكي تتم بالناظور".
بدوره أوضح المهندس حازم فاضل خلف، مدير إعلام مستشفى الكفيل التخصصي، أنّ "عدد حالات زرع الكلى في العام (2025) والربع الأول من السنة الجديدة وصل إلى (25) حالة على وفق النظام الأمريكي، وقد حققنا نسب نجاح متقدمة ومتقدمة جدا جدا، خصوصا وأن عمليات زراع الكلى في النظام الأمريكي تتم بالناظور".
أبرز أسباب المرض
إلى ذلك ينفي البروفيسور رياض الصائغ أن يكون الماء المسبب الرئيسي للفشل الكلوي، خصوصا أنّ مياه العراق لا تحتوي على زيادة في نسبة المعادن الصلدة المذابة في الماء.
مستدركا، "شرب المياه المعبأة بقناني بلاستيكية (القنينة، الكاسة) هو أمر غير صحي، إلى جانب شرب الماء الراكد والماء الحار هو أيضا غير صحي".
ويضيف، "تزداد في تلك المياه نسبة (TDS)، بالتالي نحن نوصي جميع المعنيين في العتبة العباسية المقدسة ممن يهتمون بإنتاج ماء ال (RO) بالابتعاد عن كل ما هو بلاستيكي".
فيقول، "مادة البلاستك هي من المُسَبِّبات الأساسية لوجود الأمراض والسرطانات، إلى جانب تفاعلها مع الحرارة، بل حتى المُخلّفات البلاستيكية، هي أيضًا من الملوثات البيئية المُضِرَّة على مدى مئات وآلاف السنين.