image alt

من قِربة العباس إلى سُقيا الملايين.. الماء ذاكرة كربلاء الخالدة

من قِربة العباس إلى سُقيا الملايين.. الماء ذاكرة كربلاء الخالدة


حين مالت شمسُ الطفِّ نحو المغيب، كان الفراتُ يلمعُ قريبًا من خيام الحسين عليه السلام، لكنّه بدا أبعدَ من السماء.

هناك، وقف أبو الفضل العباس عليه السلام عند ضفاف الماء، وقد حمل في قلبه ظمأَ الأطفال قبل أن يحمل القِربة على كتفه.

مدَّ يده إلى الماء، فارتجفت أمواج الفرات كأنّها تعرفُ مَن هذا القادمُ إليها، فارسٌ لم يأتِ ليشرب، بل ليحمل الحياة إلى الخيام.

غرف بكفّه غرفةً من الماء، رفعها نحو شفتيه اليابستين، ثمّ توقّف… كيف يشرب والحسين عطشان؟

فتُطرح الأسئلة من؟ ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ وبالعراقي ليش؟

كيف يروي ظمأه وصوتُ سَكينة ورقية يتكسّر عطشًا خلف الخيام؟ عندها ألقى الماء من يده وهو يخاطب نفسه الخالدة:

يا نفسُ من بعد الحسين هوني

وبعده لا كنتِ أن تكوني

في تلك اللحظة، لم يكن العباس عليه السلام مجرّد رجلٍ يحمل الماء، بل أصبح رمزًا أبديًّا لمعنى السُقيا، حتى عُرف في وجدان المؤمنين بـ"ساقي عطاشى كربلاء".

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الماءُ ماءً فحسب، بل تحوّل إلى ذاكرةٍ حيّةٍ تحمل وجع الحسين عليه السلام، وصار كلُّ قدح ماء يُقدَّم باسم الحسين، امتدادًا لذلك الموقف العظيم الذي خُلِّد فوق تراب الطف.

ومن هنا، يمكن فهم السرّ العميق الذي يجعل العتبات المقدسة، وفي مقدّمتها العتبة العباسية المقدسة، تُولي سقاية الزائرين عنايةً استثنائية، حتى أصبحت مشاريع الماء والثلج جزءًا من هوية الخدمة الحسينية، وواحدةً من أبرز صور الوفاء لعطش كربلاء.


desc-90eb856d44e605e5.jpeg


في الأزقّة المؤدية إلى مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، لا يسمع الزائر هدير الماكينات فحسب، بل يسمع حكاية الوفاء وهي تُعاد كلّ يوم بصيغةٍ معاصرة.

يعمل قسم الشؤون الخدمية في العتبة العباسية المقدسة على إنتاج مئات الأطنان من الثلج والمياه المبرّدة ليصل الماء البارد إلى ملايين الزائرين الذين يفدون إلى كربلاء في مواسم الزيارات المليونية، ولاسيّما زيارة الأربعين.

إنّ مشهد توزيع الماء والثلج في كربلاء ليس عملاً خدمياً عادياً، بل هو طقس وجداني وروحي، يختلط فيه الإيمان بالحزن، والعقيدة بالخدمة، والتاريخ بالحاضر.

حين ترى أحد الخَدَمة يحمل كيس الثلج أو يوزّع أكواب الماء على الزائرين وهو يردّد "اشرب الماء واذكر عطش الحسين"، فإنك تدرك أنّ كربلاء لم تنتهِ سنة 61 للهجرة، بل ما زالت حيّةً في الضمائر والقلوب.

وقد أعلن قسم الشؤون الخدمية في العتبة العباسية المقدسة أنّه ينتج نحو 300 كيس من الثلج البلوري في الساعة الواحدة، بواقع 20 كيلوغرامًا للكيس الواحد، تُخَصّص لخدمة الزائرين والمواكب الحسينية.

هذا الرقم ليس مجرد إحصائية صناعية، بل هو صورة حديثة لسقاية العباس عليه السلام التي ما تزال مستمرة بروحها ومعناها.

ويمتلك القسم مَعمَلَينِ لإنتاج الثلج البلوري، الأول، قرب باب القبلة لمرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، والآخر، قرب مقام الإمام المهدي عجّل الله فرجه، فضلًا عن مواقع توزيع متعددة تنتشر في المنطقة المحيطة بالعتبة المقدسة.

وعلى مدار الساعة، تعمل الملاكات الخدمية على توفير الماء البارد والثلج للزائرين، وتتضاعف جهودها في ليالي الخميس والجمع والزيارات المليونية، حين تتحوّل كربلاء إلى بحر بشري لا ينقطع.

وبهذا الصدد أولت العتبة العباسية ملفّ الماء اهتمامًا استثنائيًا، فهي لا توفّر الماء فقط، بل تسعى إلى تنقيته وتخزينه وتبريده ونقله، ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى ألّا يشعر زائر الحسين عليه السلام بحرّ الطريق أو لهيب العطش.

وفي هذا السياق، باشرت ملاكات قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة بتنفيذ مشروع ضخم لإنشاء معمل لإنتاج كاسات المياه، وثلاثة معامل إضافية لإنتاج الثلج ضمن محور كربلاء ـ النجف، في خطوة تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى لخدمة الزائرين، خصوصًا في مواسم الذروة التي تشهد تدفقًا بشريًّا هائلًا.

يرى الباحث العراقي الشيخ محمود الجياشي، أنّ "ثنائية العطش والماء في كربلاء تمثّل واحدة من أعظم الثنائيات الوجدانية في التاريخ الإسلامي".

موضحا، "أنّها اختزلت المأساة الحسينية في صورة تهزّ الضمير الإنساني، فالحسين عليه السلام لم يُقتل فقط، بل قُتل عطشانًا بجوار الفرات، وهنا تكمن فداحة الجريمة".

ويستحضر الجياشي أبيات دعبل الخزاعي الشهيرة:

"أفاطمُ لو خلتِ الحسين مجدّلاً

وقد مات عطشانًا بشطِّ فراتِ"

هذه المفارقة الموجعة أن يموت سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، عطشانًا على ضفاف النهر، جعلت الماء نفسه يتحوّل إلى شاهد أبدي على المأساة، ولذلك كلّما شرب المؤمن ماءً، عاد ذهنه إلى خيام الطف، وإلى الشفاه الذابلات، وإلى العباس وهو يقاتل من أجل قطرة ماء للأطفال.

ومن هنا نفهم لماذا ترتبط سقاية الماء في الثقافة الشيعية بثواب عظيم ومكانة رفيعة، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام "أفضل الصدقة إبراد كبد حرّى"، كما ورد عنه أيضًا "ما من عبد شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله إلا كتب الله له مائة ألف حسنة".

هذا الارتباط بين الماء والحسين عليه السلام، هو الذي جعل مواكب الخدمة الحسينية تتسابق إلى نصب "السبل" ومحطات المياه في الطرق المؤدية إلى كربلاء، فالخادم الذي يوزّع الماء، لا يرى نفسه مُقَدِّمَ خدمة فحسب، بل يعدّ ذلك مشاركة رمزية في مواساة عطش الحسين وآل بيته.


desc-6cbe80eff41b23cf.jpeg


وفي زيارة الأربعين، تتجلّى هذه الروح بأبهى صورها، فقد أعلنت العتبة العباسية المقدسة أنّها وزّعت أكثر من 75 مليون (كاسة) من مياه الكفيل، إضافة إلى 15 مليون لتر من المياه الصحية والمتعددة الاستخدامات، فضلًا عن إنتاج 331300 كيس من الثلج البلوري و102539 قالب ثلج، وُزِّعَت على المواكب الحسينية.

كما أعلن قسم التكييف والتبريد في العتبة العباسية المقدسة أنّ مَعمَلَي الثلج في مُجَمَّع أبي الفضل العباس عليه السلام، تمكّنا من إنتاج أكثر من 2200 طن من الثلج في زيارة الأربعين، توزّعت بين الثلج البلوري وقوالب الثلج، مع تشغيل منظومات تبريد مركزية بلغت قدرتها 1450 طن تبريد لخدمة قاعات الزائرين.

هذه الأرقام الضخمة لا تعبّر عن نشاط خدمي فقط، بل تكشف عن فلسفة كاملة تقوم على تحويل ذكرى العطش الحسيني إلى مشروع حياة وعطاء، فالحسين عليه السلام، الذي مُنِع من الماء، صار سببًا في ارتواء الملايين، والعباس عليه السلام، الذي قُطعت يداه وهو يحمل القِربة، صار رمزًا لكل يد تمتدّ اليوم بكوب ماء إلى زائر متعب.

إنّ الماء في كربلاء لم يعد مجرّد حاجة جسدية، بل صار لغةً روحية تعبّر عن الحب والولاء، لذلك حين ترى طفلًا صغيرًا يناول الزائر كوب ماء وهو يقول، "هذا فداءً لعطش الحسين"، فإنك تدرك أنّ كربلاء ربّت أجيالها على ثقافة العطاء قبل الأخذ، والخدمة قبل الراحة.

ولعلّ أعظم ما في هذه السقاية أنّها لا تُمَيّز بين إنسان وآخر، فالماء الحسيني يُعطى للجميع، للفقير والغني، للعراقي والأجنبي، للمسلم وغير المسلم، لأنّ رسالة الحسين عليه السلام أكبر من الحدود والهويات الضيقة، فهي رسالة إنسانية عالمية عنوانها الكرامة والرحمة والإيثار.

لقد حرموا الحسين عليه السلام من الماء، لكنّهم لم يدركوا أنّهم بذلك جعلوا من الماء نفسه رسولًا خالدًا يذكّر الناس بالحسين إلى يوم القيامة، فمنذ الطف وحتى اليوم، كلّ نهر يحمل شيئًا من حزن الفرات، وكلّ قطرة ماء تروي قصة العباس، وكلّ سبيل ماء في كربلاء هو امتداد لتلك القِربة التي سقطت على تراب الطف ولم يسقط معناها أبدًا.

وتبقى العتبة العباسية المقدسة وهي توزّع الماء والثلج على ملايين الزائرين، إنّما تعيد كتابة مَلحمة السقاية بلغة العصر؛ لتقول للعالم كلِّه "إنّ العباس عليه السلام، ما زال حيًّا في هذه القلوب، وإنّ كربلاء ما تزال تُعلّمُ الناسَ كيف يكون الوفاء… حتى بقطرة ماء".