بين أصوات المكائن المنتظمة، وبريق خطوط الإنتاج المصنوعة من الفولاذ، تتحرك مئات عبوات اللبن بهدوء على الأحزمة الناقلة داخل معمل ألبان الكفيل، فيما يتابع العاملون تفاصيل العمل بدقة لا تترك مجالاً للخطأ.
خلف هذه العبوات التي تغادر خطوط الإنتاج يوميا، تَقِف جهود عشرات العاملين والمهندسين والفنيين الذين يعملون لساعات طويلة في هذا المعمل.
يعلق مدير المعمل الأستاذ أسعد عبد الإله، إن "المعمل تأسس عام 2017 بهدف توفير منتجات ألبان محلية تتمتع بالجودة العالية والأسعار المناسبة للمستهلك العراقي".
مبينا، "المعمل شهد في السنوات الماضية توسعاً ملحوظاً في حجم الإنتاج وانتشار منتجات الألبان في مختلف المحافظات العراقية".
ويضيف، "الكادر العامل في المعمل عراقي بالكامل، ويضمّ موظفي إنتاج ومختبرات وصيانة ومحاسبة وعمالاً".
مشيرا، أنّ "إدارة المعمل تفضل تشغيل أبناء المناطق القريبة لتسهيل الوصول إلى العمل وتجاوز مشكلات الزخم المروري في الزيارات المليونية والمناسبات الدينية".
ومنتجات المعمل تشمل اللبن بأحجام مختلفة، منها عبوات اللتر، والنصف، والـ 250 مل، والـ 300 مل، فضلاً عن الزبادي بأوزان متعددة تتناسب مع احتياجات العائلات والمستهلكين، وأن الأحجام المطروحة حالياً هي الأكثر طلباً في الأسواق العراقية.

يقول الأستاذ عبد الإله، إنّ "المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج، تعتمد بصورة رئيسة على مسحوق الحليب (الباودر) المستورد، إضافة إلى مادة الزبد، والاعتماد على الحليب الطازج العراقي يحتاج إلى مزارع كبيرة وإمكانات متطورة ما تزال محدودة في العراق، الأمر الذي يجعل الاستيراد خياراً ضرورياً لضمان استمرارية الإنتاج".
ويكمل، "المعمل حقق تقدماً في الاعتماد على المنتج المحلي، فبعد أن كانت العبوات المستخدمة في التعبئة تستورد من الخارج، أصبحت تُجهز اليوم من مصانع أهلية داخل محافظة كربلاء، الأمر الذي بادر في دعم الصناعة الوطنية وتقليل الحاجة إلى الاستيراد".
ويؤكد، "أفضل ما يميز منتجات ألبان الكفيل هو الجودة والنظافة والطعم المقبول للمستهلك، إلى جانب الأسعار المناسبة، وأن سعر قنينة اللبن يصل إلى ألف دينار فقط، وهو من الأسعار المنافسة مقارنة بالمنتجات المماثلة الموجودة في السوق".
ونجح المعمل في تقليل حجم الاستيراد عن طريق توفير منتجات محلية تغطي جانباً مهماً من حاجة السوق العراقية، إذ تنتشر مراكز البيع التابعة للشركة في معظم المحافظات، فيما تتولى شركة نور الكفيل عمليات التسويق والتوزيع من بغداد وصولاً إلى البصرة.
يعلق مدير المعمل، "الطلب على المنتجات يرتفع بشكل كبير في شهر رمضان المبارك والزيارات المليونية، إذ تتجاوز كميات الإنتاج في بعض الفترات حاجز المئة طن لتلبية احتياج المستهلكين".
ومعمل ألبان الكفيل أحد المشاريع التابعة لشركة نور الكفيل للصناعات الغذائية، التي تعد من أبرز الشركات الإنتاجية في العراق، لما تمتلكه من مجموعة واسعة من المصانع والخطوط المتخصصة بإنتاج المواد الغذائية المختلفة.
ويقع مقر الشركة على أحد المداخل الرئيسة لمحافظة كربلاء المقدسة، وشاركت في السنوات الماضية في دعم المنتج الوطني وتقليل الاعتماد على المستورد.
وساهم المعمل في توفير فرص عمل لعشرات المواطنين من أصحاب العائلات، وجميع العاملين يتمتعون بحقوقهم الوظيفية، وهم مسجلون في الضمان الاجتماعي، ويتقاضون رواتبهم بصورة منتظمة.
من جانبه يقول إبراهيم عباس، وهو المسؤول عن خطوط الإنتاج في معمل ألبان الكفيل، إن "صناعة اللبن والزبادي داخل معمل ألبان الكفيل تمر بسلسلة من الإجراءات الفنية الدقيقة التي تهدف إلى ضمان سلامة المنتج ووصوله إلى المستهلك بأعلى مستويات الجودة".
ويوضح إبراهيم، "عملية الإنتاج تبدأ منذ لحظة وصول المواد الأولية إلى المعمل، حيث تدخل أولاً إلى مرحلة الخلط، ثم تمر بمرحلة التجنيس لضمان تجانس المكونات، بعدها تخضع لعملية البسترة بدرجات حرارة مدروسة للقضاء على الأحياء المجهرية الضارة".
ويكمل، "المنتج يدخل بعد ذلك إلى مرحلة الحضن التي تستمر أربع ساعات، لتبدأ بعدها عملية التخمر الطبيعية الخاصة بإنتاج الزبادي، ثم تُعاد معالجته حرارياً على وفق ضوابط محددة قبل أن يدخل إلى مراحل التبريد والحفظ".
ويبين، "المنتج يُحفظ بدرجات حرارة منخفضة تصل إلى نحو خمس درجات مئوية، الأمر الذي يساعد على المحافظة على جودته طوال فترة الصلاحية التي تمتد لأكثر من شهر من دون الحاجة إلى استخدام مواد حافظة".
ويشير، "جميع مراحل الإنتاج تعتمد بصورة كاملة على المكائن الحديثة، إذ يقتصر دور العاملين على الإشراف والمتابعة وضبط الإجراءات الفنية، سواء في خطوط إنتاج اللبن أو الزبادي، ما يقلل احتمالات الخطأ البشري ويضمن ثبات الجودة".
أما عن دور المختبر الذي يُعدّ خط الدفاع الأول في المعمل، فيشير محمد الأعرجي، مسؤول وحدة المختبر، قائلا، "تؤخذ عينات من خطوط الإنتاج بشكل مستمر وتخضع للفحص قبل التعبئة وبعدها للتأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة".
ويضيف، "منتجات المعمل تخضع أيضاً لرقابة صحية دورية من الجهات المختصة في الدولة، عن طريق زيارات تفتيش، وفحوصات شهرية تؤخذ في أثنائها عينات عشوائية من المنتجات، مؤكداً أن جميع النتائج منذ افتتاح المعمل وحتى اليوم كانت مطابقة للضوابط والمعايير الصحية".

دعم الصناعة الوطنية
من جانب آخر، يشيد الخبير الاقتصادي عباس الجبوري بالمشاريع الإنتاجية التابعة للعتبة العباسية المقدسة ويعدّها تجربة اقتصادية مهمة؛ لأنّها انتقلت من مفهوم تقديم الخدمات إلى الإسهام الفعلي في دعم قطاعات الصناعة والإنتاج الوطني.
ويقول، "هذه المشاريع تمثل نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الموارد في إنشاء مؤسسات مُنتِجة قادرة على تلبية جزء من احتياجات السوق العراقية".
مضيفا، "معمل ألبان الكفيل بوصفه أحد المشاريع التي تساعد في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، فضلاً عن دوره في توفير فرص العمل وتحريك الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بعمليات الإنتاج والتسويق والتوزيع".
ويبيّن الخبير الاقتصادي، أنّ "أهمية هذه المشاريع لا تقاس بحجم إنتاجها فقط، وإنما بما تحققه من قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، عن طريق تشغيل الأيدي العاملة العراقية، ودعم الصناعات الساندة، وتشجيع ثقافة الاعتماد على المنتج الوطني، وأن استمرار توسّع هذه المشاريع وانتشار منتجاتها في الأسواق العراقية، يعكس وجود طلب حقيقي على الصناعة المحلية عندما تقترن بالجودة والقدرة على المنافسة".
من جهته، يرى محمد الغانمي، صاحب أحد الأسواق الغذائية، أنّ منتجات ألبان الكفيل تحظى بإقبال ملحوظ من المواطنين، خصوصاً في مواسم الزيارات وشهر رمضان المبارك.
ويقول، "الكثير من الزبائن يطلبونها بالاسم؛ لما اكتسبته من ثقة لدى المستهلكين في السنوات الماضية".
ويضيف، "نلاحظ بشكل يومي أن هناك زبائن يفضّلون ألبان الكفيل على غيرها من المنتجات، بسبب جودة المنتج وطعمه المقبول وأسعاره المناسبة، مقارنة ببعض الأنواع الأخرى الموجودة في السوق".