image alt

الكشافة تصنع الأمل.. أشبال يصبحون قادة

الكشافة تصنع الأمل.. أشبال يصبحون قادة


يخطو مهدي البصير وسط ساحة التدريب بخطوات واثقة، يتقدم بين صفوف الكشافة كما لو كان يرى الأرض التي يسير عليها، يرفع عصاه قليلًا، يبتسم، ثم يوجه تعليماته لرفاقه بصوت القائد الذي اعتاد أن يسمع أكثر مما يُبصر.


هو الفتى الذي فقد بصره منذ طفولته، لكنّه لم يفقد رؤيته للحياة، فصنع لنفسه طريقا جديدا جعله أحد أبرز قادة جمعية كشافة الكفيل، وركيزة أساسية في فرقة الإنشاد التابعة لها.

مهدي، ابن السادسة عشر، الذي أمضى أكثر من خمس سنوات في فرقة الإنشاد، يصف رحلته قائلًا،

"الكشافة صنعت مني قائدا قادرا على تحمّل المسؤولية، وعلمتني الانضباط والعمل بروح الفريق، والأهم أنها منحتني القدرة على أن أزرع الأمل في نفوس غيري بدل أن أستسلم لواقعي".


وعلى مقربة من قصته، يطل منتظر كاظم، شاب آخر تخرج من صفوف الجمعية، بدأ صغيرا ضمن أشبال الكفيل، مفعما بالطموح، سريع التعلم، مثابرا في مواجهة الصعوبات.

سنوات التدريب الكشفي غرست فيه الانضباط والصبر وروح القيادة، حتى غدا اليوم طالب طب عام في جامعة كربلاء.

يقول بثقة، "الكشافة لم تمنحْني المعرفة فحسب، بل علمتني كيف أواجه التحديات وأرتقي بنفسي دائمًا نحو الأفضل، كلّ تدريب وكلّ تجربة في الجمعية صقلت شخصيتي، وجعلتني إنسانًا قادرًا على مواجهة الصعاب بثقة وإصرار".


قصتا مهدي ومنتظر ليستا سوى مثالين حيّين لأثر الكشافة في صناعة جيل مؤمن بذاته، فالعتبة العباسية المقدسة لم تدّخر جهدًا في دعم هذه المبادرات، فأطلقت مشاريع إنسانية متنوّعة لاكتشاف المواهب وتنميتها، ووفّرت بنية داعمة للشباب عبر دورات وورش عمل تُحفّز على الابتكار والإبداع تحت شعار "خدمة الدين والمجتمع".


يضيف مهدي البصير، "أنا لا أرى النور بعيني، لكنني أبصرت طريق الحياة عن طريق العتبة العباسية المقدسة ودعمهم الدائم لي، فقد منحوني القوة والإصرار على أن أكون قائدًا كشفيًا رغم فقداني البصر".

وتحرص جمعية كشافة الكفيل، التابعة للعتبة العباسية، على تسجيل آلاف الأشبال سنويًا، والعمل على صقل مواهبهم وتنمية قدراتهم عبر برامج منظمة تشمل التدريب على مهارات قيادية وكشفية وفنية ورياضية، بالإضافة إلى الخطابة والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.

هذا التنوع لا يقتصر على بناء مهارات عملية فحسب، بل يهدف أيضًا إلى غرس قيم الانضباط وروح الفريق والمسؤولية، ليكون نتاج هذه الجهود جيلًا قادرًا على مواجهة التحديات، وعنصرًا فاعلًا في خدمة بلده ومجتمعه.


وتسهم في بناء شخصيّة الطلبة وزرع القيم الإنسانية والإسلامية فيهم، وغرس المفاهيم النبيلة، فضلًا عن اكتشاف المواهب في العناصر المشارِكة وتطويرها وتوجيهها نحو المسار الصحيح.

من جانبه يوضح الدكتور زمان الكناني، مسؤول الجمعية الكشفية في قسم الشؤون الفكرية بالعتبة العباسية، "أنّ عمل الجمعية يرتكز على إعداد البراعم والفتية من المدارس والأحياء عبر تحصينهم فكريًا وثقافيًا ودينيًا، فضلًا عن تعليمهم مهارات حياتية متنوّعة".

لافتا، "نسعى لبناء شخصية الفرد من الداخل؛ فترسيخ القيم الداخلية ينعكس إيجابًا على السلوك والعلاقات والأفكار وحتى على تعريفاته ومفاهيمه للأشياء، التي تتطور تباعًا".

ويضيف الكناني، "أنّ التدريب الكشفي يتّسم بدرجة عالية من الانضباط يشبه إلى حد بعيد السلك العسكري، بما يتضمنه من مسير ووقوف وتحيات وضبط عام.


وتضم جمعية كشافة الكفيل ثلاث فئات عمرية: الأشبال (9–13 سنة)، والكشافة (13–15 سنة)، والكشاف المتقدم (15–19 سنة)، ثم مرحلة الجوالة الجامعية لمن تجاوزوا 19 عامًا.

ويشير الكناني إلى، أنّ "الحركة الكشفية بطبيعتها حركة تطوعية بعيدة عن السياسة، وأن الكشاف المتقدم يتحمل مسؤولية تدريب الأشبال، فيما يواصل المتميزون نشاطهم بعد التخرج".

ويتابع، "أمّا الدورات التدريبية، فتُنظَّم في العطل الصيفية والنصفية، ليستفيد منها أكثر من ألفي مشترك سنويًا، ليُفرز بعدها المتميزون لدورات خاصة بإشراف مدرّبين وأكاديميين ورجال دين".

ويضيف، "الجمعية تعقد جلسات أسبوعية للمتميزين أيام الخميس، وتجمعات دائمة أيام الجمعة والسبت في العام الدراسي، حفاظًا على التواصل مع الأعضاء، ما أسهم في اكتشاف مواهب كبيرة في مجالات مختلفة".

ويختتم الكناني حديثه، "الجمعية تنطلق من المنهج الإسلامي الجعفري، وتسعى لغرس القيم الأصيلة مثل احترام الوالدين والمعلّم والكبير، والعطف على الصغير، بما يعزز دور الشباب الإيجابي في المجتمع.


في السياق ذاته، يوضّح أمير كاظم الخرسان، مسؤول وحدة الإبداع وتنمية المواهب في الجمعية، أنّ كشافة الكفيل تضع الفئات العمرية الناشئة في مقدمة اهتماماتها، حيث يُنقّب مختصون ومدربون عن المهارات والطاقات.

ويقول، "استطعنا هذا العام اكتشاف نحو 150 موهبة في مجالات الفنون والمسرح، والإنشاد، والردة الحسينية، والبرمجة، والقرآن الكريم، والإلقاء، وصناعة المحتوى، وقد أولينا هذه المواهب اهتمامًا خاصًا لصقلها وتطويرها".

معلقا أنّ الجمعية لا تكتفي بتنمية المواهب، بل تسعى لصناعة القادة، عن طريق غرس قيم تحمّل المسؤولية والالتزام.

كما ترتكز في عملها على وحدتين أساسيتين، الأولى وحدة التخطيط والبرامج الكشفية التي تستهدف الفئات العامة، والثانية وحدة الإبداع المعنية باكتشاف الطاقات، حيث يُشخّص المدربون نقاط القوة والضعف، ويشجعون الفتيان على تطوير أنفسهم.


ويشير إلى، "وجود نماذج ملهمة، مثل طفل صغير انضمّ للجمعية وترعرع في أجوائها حتى أصبح اليوم طالبًا في كلية الطب، أو ملّا مهدي البصير الذي صار نموذجًا حيًا للعزيمة، يدرّب غيره في المقامات الصوتية، ويبثّ الأمل في نفوسهم حتى إذا غاب مدرّبهم، تولّى هو القيادة".

ويعلق الخرسان قائلًا، "عن طريق تعاملنا مع الأطفال وجدنا أنّ هذا الجيل جيل مؤهّل، وهو أفضل قاعدة يمكن للمصلح أن ينهض بها، وبذلك نؤكد للعالم أهمية هذا الدور الريادي".