image alt

مشروع إعادة الحياة للمهن الحرفية ودعم المنتج الوطني

مشروع إعادة الحياة للمهن الحرفية ودعم المنتج الوطني

لم يعرف طارق في حياته حرفة أخرى غير النجارة، فكان والده معروفا في كربلاء، بأنّ له ورشة صغيرة في أحد أحيائها القديمة، حيث يُصنع كلّ شيء بطريقة ومُعدّات تقليدية توارثتها الأجيال.

ما كان يصنعه الحاج كريم، والد طارق، لا يخرج عن دائرة الأواني والأدوات المنزلية والموائد المستديرة ذات الأرجل القصيرة.

قبل وفاته في عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف، أوصى الحاج كريم ولده طارق، وكان أكبر أولاده، أن يحرص على تطوير معرفته بالنجارة العصرية.

كان الحاج كريم الذي تزوج مرتين، قبل أن ينجب الذكور، يعلم يقينا أنّ النجارة التقليدية أخذت منحى الاندثار.

عمل طارق بوصية والده، وانتقل إلى بابل، ومنها إلى بغداد، ففي بابل تعلّم فنون النقش على الخشب، وفي بغداد اشتغل في ورشة كبيرة للأثاث الخشبي الجاهز، استغرق منه ذلك أربع سنوات.

ولمّا عاد إلى كربلاء في العام خمسة والفين، لم يكن أي من إخوته يرغب في ممارسة حرفه النجارة، وإن كانوا جميعهم أمضوا في المهنة ردحا من طفولتهم وشبابهم، قبل أن ينقطعوا بعد أن وافى الأجل المحتوم والدهم.


وكما يبدو فتلك المعطيات عجّلت من فكرة انضمام طارق للعتبة العباسية المقدسة، وكان ذلك في العام سبعة والفين.

فيقول، "عندما انضممت إلى وحدة النجارة كانت آنذاك عبارة عن كيان صغير لا يُقاس بما موجود اليوم، لذلك كان مقر تلك الوحدة داخل العتبة العباسية المقدسة".


ويضيف، "بعد قرار التوسيع انتقلنا بموقعنا الحالي المسمى بالسقاء 2، فيما بلغ عدد منتسبي هذه الوحدة (36) منتسبًا، يعمل في هذه الوحدة".

والسقاء اثنان هي تسمية أحد المواقع التابعة للعتبة العباسية المقدسة التي تضم قسم الصناعات والحرف الفنية المنشأة حديثا في مدينة كربلاء.

ويشير طارق، "في بداية الأمر كان يتركز العمل بتجهيز دوائر العتبة العباسية بالأثاث المكتبي بأنواعه وأشكاله كافّة، وصيانة أبواب وشبابيك العتبة".

لافتا، "بمعنى آخر أنّ الوحدة تقوم بعملية التصنيع والصيانة على حد واحد".

ويسترسل، "في العام (2018) استُحدث نوع آخر من الأعمال الخاصة بغرف النوم، وذلك من أجل سد حاجة الأخوة المنتسبين، وتطوّر الأمر ليشمل تجهيز البيوت بالأبواب والشبابيك، ومن ثم توسعت آليات هذا العمل نحو تجهيز الأهالي بغرف النوم".


مبينا، "هذا بحد ذاته شهادة تقدير لقسم الصناعات والحرف الفنية، التي تمتاز بجودة التصنيع، والمواد الأولية، وهي من مصادر عالمية موثوقة، فضلًا عن التسهيلات المقدمة كالنقل والصيانة".

ويختتم، "هذا مُثبّت واقعيا عن طريق تجهيزنا (200) غرفة نوم تقريبا إلى الآن، وعملنا أيضًا (1500) كرسي خشبي كاستثمار".

وقسم الصناعات والحرف الفنية في العتبة العباسية هو قسم حيوي استراتيجي يهدف لتحقيق الاكتفاء الذاتي عن طريق تنفيذ الأعمال الصناعية والحرفية والفنية المتنوعة باستخدام الكفاءات العراقية والمواد المحلية.

ويرى مواطنون أنّ صناعة غرف النوم والأثاث المحلية في العراق يُعدّ قطاعاً يجمع بين المهارة اليدوية العريقة (النجارة الكلاسيكية) والتحديات الاقتصادية الحديثة، هذا ما تحدّث به السيد على الجابري، "الذي يرى المنتج المحلي عاملا محفزا لاستعادة حصّته السوقية أمام المدّ المستورد".

ويعلق الجابري الذي يسكن مدينة كربلاء المقدسة، "غرف النوم المستوردة (التركي والصيني) له شكل من أشكال المقبولية، بسبب التصاميم الحديثة والأسعار التنافسية، فتشير البيانات إلى أنّ العراق استورد غرف نوم من تركيا وحدها بقيمة تتجاوز المليار دولار في السنوات الخمس الماضية".

ويضيف، "على الرغم من ذلك، فالنجارة العراقية تتميز بالقوة والمتانة واستخدام الأخشاب الطبيعية (خشب الصاج)، وهذا ما يفضله الزبائن الذين يبحثون عن العمر الطويل للأثاث".


شعبة الحرف الفنية

بدوره أوضح المهندس عمّار صلاح مهدي معاون أول قسم الصناعات والحرف الفنية، أنّ "هذا القسم هو أحد التشكيلات المهمة التابعة للعتبة العباسية المقدسة، وهو من الأقسام الفتيّة التي لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، جاء هذا القسم لأجل تلبية حاجة أقسام العتبة كلّها".

فيقول، "من ضمن شعب القسم توجد لدينا شعبة الحرف الفنية، وهي تشتمل على وحدات عِدّة، أولها وحدة (النجارة والخراطة)، فتتكفل هذه الوحدة بجميع أعمال النجارة سواء أكانت أبوابًا أو مكتبات، أو مكاتب، أو كراسي أو ما شاكل".

مضيفا، "معظم ملاكات الوحدة من الحرفيين القدامى الذين وجدوا في هذا المكان ضالتهم لاستثمار خبراتهم".

ويضيف، "تضم الشعبة وحدة الصباغة، وهناك أيضًا وحدة صناعة المرمر، التي تخدم الوحدات الصحية وأسطح الرفوف، والمطابخ، والمغاسل، والسنادين ونحو ذلك".

يكمل، "من ثمّ تأتي وحدة الأثاث العصري، وهي من الوحدات المهمة، فعلى سبيل المثال خشب (MDF) ينقسم على قسمين: نشارة التبن، وبديل الخشب (MDF)، وهذا ما لا ينتبه إليه الزبون العادي، خاصة وأن المعروض المحلي أغلبه من نشارة التبن".

مشيرًا، "في هذه الوحدة يوجد مصمّمون أكفاء، يأخذون بنظر الاعتبار أهم التصاميم وأجملها، فقسم الصناعات هو قسم خدمي استثماري يسعى إلى محاكاة الذائقة الشعبية".


جودة المواد المستخدمة

بدوره أشاد أستاذ مادة الإدارة والاقتصاد في جامعة كربلاء، كلية الإدارة والاقتصاد بما وصفه، "إعادة إحياء الصناعات الحرفية وعلى رأسها النجارة".

قائلا، "إنّها خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد الحفاظ على التراث، فهي محرّك اقتصادي واجتماعي قوي يمكنه المساهمة في تنويع مصادر الدخل الوطني في العراق".


ويضيف، "تُمثّل الحرف اليدوية قطاعاً مرناً يمكنه الصمود في وجه التقلّبات الاقتصادية الكبيرة، وتتجلّى أهميتها في خلق فرص عمل واسعة، فالنجارة والحرف الأخرى تعتمد على العمالة الكثيفة، أكثر من اعتمادها على الآلات الضخمة، مما يساهم في تقليل معدلات البطالة بين الشباب".

مشيرا، "العراق يستورد حالياً كميات هائلة من الأثاث والمشغولات الخشبية، بالتالي فان إحياء النجارة المحلية يقلل من خروج العملة الصعبة، وينمي تجارة الأخشاب والمواد الأولية (الغراء، المسامير، الأصباغ)، إلى قطاع النقل والتغليف".


ويوضّح، "يواجه النجّار الحرفي العراقي تحدّيات تتطلب تدخلاً مدروساً، للحد من المنتج الأجنبي، من قبيل فرض ضرائب جمركية لحماية المنتج المحلي ودعم المواد الأولية؛ لسد نقص المواد الخام، وتشجيع زراعة الغابات الصناعية، أو تسهيل استيراد الخشب الخام بأسعار مدعومة، وإنشاء مراكز تدريب مهني تدمج بين الحرفيّين القدامى والتقنيات الحديثة (CNC).