في داخل المختبر لا يُسمع سوى صوت الأجهزة الالكترونية وحركة الفنيين بين انابيب الفحص وشاشات التحليل، تعمل تلك الملاكات المختبرية لساعات طويلة لمراقبة ادق القراءات المتعلقة بجودة المياه، في مهمة صامتة ترتبط بشكل مباشر بصحة الزائرين.
فحياة ملايين الزوار والسكان على المحك، لأن أي خلل لا سامح الله قد يفضي الى كارثة إنسانية كبرى، خصوصا ان هذا المختبر الحساس هو صمام الأمان لنقاء المياه التي يرتوي منها زائري العتبات المقدسة في مدينة كربلاء، اذ يؤومها عشرات ملايين الزوار سنويا.
علي حسن صاحب، مسؤول وحدة الرقابة البيئة والصحية في المختبر، يشير الى ان "إنشاء هذا المرفق المهم كان عام 2016، في استجابة لحاجة خدمية ملحة ومتزايدة رافقت توسع مشاريع العتبة المقدسة وارتفاع أعداد الزائرين".
مؤكداً، "الهدف من تأسيس مختبر مياه العتبة العباسية المقدسة لم يكن آنياً فقط، بل ضمن رؤية طويلة الأمد تهدف إلى توفير مياه مطابقة للمواصفات الصحية في جميع مفاصل العتبة".
ويوضح حسن، "المختبر مجهز بأجهزة وتقنيات حديثة قادرة على إجراء مختلف الفحوصات التخصصية، ويتولى فحص مياه الشرب ومحطات التحلية ومياه الآبار والمشاريع الزراعية".
ويتابع، "فضلًا عن المياه المستخدمة في المنشآت الصحية ومعمل المياه ومعمل الألبان التابعين للعتبة العباسية المقدسة".
ويضيف، "المختبر يعتمد معايير وزارة الصحة العراقية، إلى جانب الاستفادة من تقنيات عالمية حديثة في مجال التحليل المختبري".
مبيناً، "الفحوصات تشمل الجوانب الفيزيائية والكيميائية والبكتيرية التي تُعد من أكثر الطرق دقةً وحداثة باستخدام تقنيات (manual) والـ (ـ (TDX".
ويُجري المختبر أكثر من 15 نوعاً من الفحوصات، من بينها فحوصات الملوحة والعسرة والبوتاسيوم والكبريت والكلور.
ولا يكتفي المختبر بإجراء الفحوصات داخل أروقته، بل يعتمد جولات ميدانية مستمرة لسحب العينات من مواقع الإنتاج والخزن والتوزيع، لضمان مراقبة جودة المياه في جميع مراحلها.
ويشير مسؤول المراقبة الى، ان "أي قراءة غير مطابقة تُتابع بشكل فوري لاتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة قبل وصول المياه إلى المستهلك".
خط الدفاع الاول
ونصبت إدارة العتبة العباسية المقدسة داخل وحول الحرم العشرات من المنافذ التي توفر مياه الشرب للزائرين، في سياق الخدمات الميدانية التي تقدمها على مدار أيام العام وبشكل متواصل.
من جانبه، يؤكد المهندس احمد الحسناوي مسؤول شعبة مياه العتبة، أن المختبر يمثل خط الدفاع الأول لضمان سلامة المياه المخصصة للزائرين.
ويقول، "ملاكات المختبر تتابع بشكل دوري جميع محطات المياه التابعة للعتبة المقدسة داخل كربلاء وخارجها، والبالغ عددها 39 محطة حتى الآن".
وبين الحسناوي، "عملية الفحص تبدأ منذ لحظة استلام العينة، إذ توثق بياناتها بالكامل وتنقل ضمن ظروف مناسبة للحفاظ على خصائصها، ثم توزع على وحدات الفحص الكيميائي والفيزيائي والبايولوجي، قبل تحليل النتائج ومقارنتها بالحدود القياسية المعتمدة لإصدار التقرير النهائي".
ويضيف، "عمل المختبر يتضاعف في الزيارات المليونية بسبب الارتفاع الكبير في كميات المياه المُنتَجة والموزَّعة للزائرين، ما يستدعي تكثيف الفحوصات وتكرارها بصورة مستمرة لضمان السيطرة على أي خلل محتمل قبل وصول المياه إلى المستهلك".
ويشير مسؤول شعبة المياه إلى، أن "المختبر يتعامل أحياناً مع عينات غير مطابقة للمواصفات، ليتم اتخاذ إجراءات مباشرة بشأنها تشمل إعادة الفحص أو إيقاف التصدير ومعالجة الخلل قبل إعادة ضخ المياه".
مؤكداً، "الملاكات المختبرية مدربة ومجازة من الجهات الصحية المختصة وتخضع لإشراف استشاريين وخبراء لضمان دقة النتائج".
ويضيف، "التنسيق بين المختبر وشعبة المياه يتم بصورة يومية لضمان استمرارية تجهيز المياه الصالحة للشرب، خصوصاً في أوقات الذروة التي تشهدها المدينة في المناسبات الدينية، وان سرعة الاستجابة لأي ملاحظة أو خلل تمثل عاملاً أساسياً في الحفاظ على سلامة المنظومة المائية بالكامل".
من جهته يقول محمد علي، وهو أحد الفاحصين داخل المختبر، إن "المختبر يفحص أكثر من 500 عينة شهريًا وفق معايير الجودة المعتمدة من قبل وزارة الصحة العراقية".
مبينًا، "جميع الآبار التابعة للعتبة العباسية تخضع لفحوصات دورية مع تسجيل بياناتها داخل المختبر للتأكد من سلامة المياه الجوفية ودعم الإنتاج المحلي في كربلاء".
ويضيف، "الفحوصات تشمل مياه الإسالة والآبار والبزل، فضلًا عن مياه المزارع التابعة للعتبة، إذ تبدأ العملية بجمع العينة ومنحها رقمًا خاصًا قبل إدخالها إلى مراحل الفحص الفيزيائية والكيميائية. وأوضح أن الفحوصات تنقسم على قسمين، الأول يدوي ويعرف بالبايولوجي".
ويتم من خلاله الكشف عن عدة أنواع من البكتيريا، بينها بكتيريا القولون والبكتيريا الهوائية والكوليرا، فيما يعتمد القسم الثاني على أجهزة فحص سريعة ودقيقة تُعد من التقنيات النادرة على مستوى الفرات الأوسط، إذ تسهم في الوصول إلى نتائج سريعة وموثوقة.
ويشير إلى أن المختبر يجري كذلك فحوصات مستمرة للمياه الداخلة إلى معمل إنتاج ماء الشرب، مع إعادة فحص المياه بعد مراحل الإنتاج للتأكد الكامل من سلامتها قبل وصولها إلى المستفيدين
وفيما يخص الجانب الصحي، يؤكد الطبيب علي عبد رضا أبو طحين المختص في طب الاسرة والمجتمع في كلية الطب جامعة كربلاء أن المياه الملوثة قد "تتسبب بانتقال العديد من الأمراض المعوية والجرثومية، خصوصاً في أماكن التجمعات البشرية الكبيرة".
مبيناً، الفحوصات البكتيرية المستمرة تمثل خط الدفاع الأهم لحماية صحة الزائرين ومنع حدوث أي تلوث قد يهدد السلامة العامة".
ويضيف، "كثير من الناس يعتقدون أن صفاء الماء أو برودته يعني صلاحيته للشرب، في حين أن بعض الملوثات أو البكتيريا لا يمكن اكتشافها إلا عبر الفحوصات المختبرية الدقيقة، الأمر الذي يجعل وجود مختبرات تخصصية أمراً ضرورياً لضمان سلامة المياه".
وبين ملايين الزائرين الذين يرتوون يومياً من مياه العتبة العباسية المقدسة، تستمر داخل المختبر رحلة صامتة لا يراها أحد، لكنها تمثّل خط الدفاع الأول لحماية صحة الزائرين، وضمان وصول الماء نقياً وآمناً إلى كل قدح يرفع بثقة في مدينة اعتادت أن تسقي زائريها الطمأنينة.