لم تعد الزيارة نصًّا يُقرأ فحسب، بل تحولت إلى مشهد بصري يروي حكاية جهدٍ استمر أشهر، وحالة روحية رافقت كل حرفٍ قبل أن يستقر في موضعه، ومن خلف هذه الحروف يقف الخطاط كرار الموسوي الذي لم يكن يخط كلمات فقط، بل كان يكتب تجربة شخصية يختلط فيها الفن بالإيمان، والمهارة بالرهبة.
يقول الموسوي مستذكرا بداية هذا التحول، "في السابق كانت الزيارة تُطبَع، أما اليوم فقد أصبح هذا المشروع فريدا من نوعه داخل العتبة العباسية المقدسة، حيث تحول إلى عمل خطّي يتطلب مساحة مدروسة، وحجماً مختلفاً للقلم، واختياراً دقيقا للمكان بما يتناسب مع المتلقي".
ويضيف، "جاء اختيار خط النسخ؛ لأنّه أوضح الخطوط وأكثرها فهما لدى الجميع، فهو خط القرآن الكريم، وتمتاز حركاته الإعرابية بالوضوح والدقة".
مشيراً، "الالتزام بالقواعد العامة للخط، مع بعض التصرفات البسيطة التي لم تخرج عن المألوف، لكنّها أضفت لمسة جمالية خاصة".
فما إن تطأ أقدام الزائرين صحن مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، حتى يرون دعاء الزيارة مخطوطا على لوحتين متطابقتين في النقش والحجم، رُفِعتا أعلى المدخلين الشرقي والغربي للضريح المطهر.
وخُطت اللوحتان بتقنية (UV)، ببروز يصل إلى واحد ملم، ومثبتتان على لوحين مدعومين بإطار (MDF)، فيما يبلغ طول اللوحتين مع الإطار 3،10 متر، بينما يبلغ العرض 1،60 متر.
ويكشف الموسوي، أن "إنجاز كتابة دعاء الزيارة استغرق نحو ثلاثة أشهر، بواقع عمل يومي يتراوح بين سبع إلى عشر ساعات، مستخدماً أدوات الخط التقليدية من قصبة ومحبرة في تجربة مزجت بين الاصالة والدقة".
ولكنّ التحدي، كما يؤكد لم يكن فنيا بقدر ما كان نفسيا، إذ يقول "كنت أتحدّى نفسي لأبذل طاقتي كلّها وكان يرافقني حماس عجيب كي يظهر العمل بأقوى وأجمل نتيجة".
لافتاً، "هذا النوع من الأعمال روحي أكثر مما هو فني؛ لأنّه يتعامل مع نصوص مقدسة، ما يتطلب استعداداً روحيا قبل المهارة الفنية".
ويستذكر الموسوي لحظة خاصة سبقت تكليفه، إذ يروي أن "أحد ارحامه رأت في المنام أنه يخدم زوار الإمام الحسين وأخيه العباس عليهم السلام، خدمة عظيمة ويقدّم لهم المساعدة"، وبعد ثلاثة أيام فقط تم تكليفه فعلياً بهذا العمل في واقعه يصفها بأنها ذات دلالة عميقة في حياته.
ويتابع، "منذ صغري وأنا أترجى أن أضع نقطة أو حرفاً داخل حرم الإمام العباس عليه السلام، واليوم وفقني الله لكتابة الزيارة كاملة".
مشيرا إلى أن مشاعره لا يمكن وصفها خاصة عند دخوله الضريح ورؤيته الزائرين يرددون كلمات هو من خطها بيده.
وفي فترة العمل لم تكن الكتابة مجرد أداء مهني بل كانت حالة وجدانية إذ يقول، "كنت أكتب وأبكي من شدة التوفيق الذي منحني الله إياه".
وعن مسيرته، يوضح الموسوي أنّه بدأ رحلته مع الخط منذ خمسة وعشرين عاما وكانت بدايتها هواية تحولت مع الزمن إلى شغف عميق، عمل على تطويره داخل العراق وخارجه، حتى جاءت لحظة التكليف التي وصفها بأنها مسؤولية كبيرة جداً، خصوصا في ضل وجود العديد من الخطاطين في كربلاء المقدسة والعراق عموما.
إرث تاريخي متنقل
من جانبه يؤكد الشيخ علي موحان أنَّ "دعاء زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام، يعد من النصوص العبادية العريقة التي ترجع إلى قرون مبكرة من التاريخ الإسلامي".
مبينا، "ورد الدعاء في مصادر معتبرة، منها: كتاب المزار للشيخ المفيد، وكذلك في المزار للمشهدي وكتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس، فضلا عن وروده في بحار الانوار".
والشيخ علي موحان، هو رئيس قسم الشؤون الدينية التابع إلى العتبة العباسية المقدسة والذي يتشرف بإمامة صلاة الجماعة في ضريح أبي الفضل العباس عليه السلام.
ويضيف موحان، "تداول هذه الزيارة يعود إلى القرن الرابع والخامس الهجري على أقل تقدير، ما يجعلها من الأدعية المتجذرة في الوجدان الديني، مشيرًا إلى أنَّ زيارة أهل البيت عليهم السلام، وما يرتبط بها من أدعية، لم تسلم من التضييق في بعض الحقب، الأمر الذي دفع المؤمنين إلى ممارستها بحذر بفترات معينة".
موضحا أنَّ "الدعاء يحمل مضامين عقائدية وروحية عميقة ترسخ ارتباط الإنسان بالله تعالى، وأهل البيت عليهم السلام، مثل عبارات، اللهم اجعل رزقي بهم داراً وعيشي بهم قاراً تُعدّ، من طلب دوام النعمة والاستقرار وتعكس عمق البعد الإيماني للنص".
ويُعدّ قسم الشؤون الدينية من الأقسام الحيوية في العتبة العباسية المقدسة إذ يلجأ إليها الزائرون للإجابة عن استفتاءاتهم الشرعية وتلّقي الإرشاد الديني في داخل ضريح أبي الفضل العباس عليه السلام.
من جهته يرى سعيد زميزم "أحد مؤرخي مدينة كربلاء المقدسة"، أنَّ "دعاء زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام، لم يكن مجرد نص متداول في الكتب، بل شكل جزءاً من الذاكرة الحية لمدينة كربلاء، إذ تناقله الأهالي جيلاً بعد جيل في أزمنة كانت الزيارة فيها تمارس أحياناً بسرية نتيجة الظروف السياسية".
مضيفا أنَّ "الزائرين الوافدين إلى كربلاء كان لهم دور كبير في نقل هذا الدعاء إلى مدنهم مما شارك في انتشاره تدريجيا خارج حدود المدينة".
ويذكر زميزم أن بعض المجالس الدينية القديمة كانت تخصص أوقاتاً لقراءته، وتحديدًا في المناسبات الخاصة بالإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام.
ويضيف، "التحولات التي شهدتها كربلاء عبر القرون، ولاسيما فترات الانفتاح التي لها دور كبير في انتقال الدعاء من التداول المحدود إلى الحضور العلني داخل الحرم الشريف، إذ أصبح جزءاً من المشهد العشائري العام مع تطور أساليب عرضه من النصوص البسيطة إلى المخطوطات المزخرفة التي تعكس البعد الجمالي إلى جانب الروحي".