في ورشٍ تتداخل فيها رائحة المعدن بحرارة الأفران، وتتعانق فيها الدقة الهندسية مع الروحانية، تتجسد حكاية الكتيبة القرآنية بوصفها أحد أبرز ملامح الإبداع في قسم صناعة الأبواب والشبابيك التابع للعتبة العباسية المقدسة.
هنا، لا يُنظر إلى الكتيبة على أنها مجرد عنصر زخرفي، بل هي نصٌ مقدّس يُصاغ بعناية ليحمل رسالة جمالية وروحية في آنٍ واحد، تُرافق الزائر وتلامس وجدانه قبل أن تقع عيناه على تفاصيلها الفنية.
تبدأ القصة من لحظة اختيار الآية القرآنية، وهي مرحلة تُحيطها عناية خاصة، إذ تتولاها إدارة العتبة المقدسة عبر مختصين يمتلكون خبرة دينية وفنية، يراعون فيها انسجام النص مع طبيعة الموقع الذي ستُثبت فيه الكتيبة.
فلكل شباك أو باب خصوصيته، ولكل مقام دلالته، ما يجعل اختيار الآية خطوة تأسيسية تُبنى عليها بقية المراحل.
بعد ذلك، تنتقل الآية إلى عالم التصميم الرقمي، حيث تتولى وحدة التصاميم التابعة لشعبة التفريز الرقمي تحويل النص إلى مخطط هندسي دقيق.
هنا، تتجلى مهارة المزج بين الخط العربي الأصيل والتقنيات الحديثة، إذ تُضبط القياسات بدقة متناهية لتتناسب مع أبعاد الشباك أو الباب.
وتبرز التحديات في هذه المرحلة مع تنوع الأشكال، فبعض الشبابيك تكون مربعة، وأخرى مستطيلة، فيما تختلف الأطوال بشكل كبير، بينما يتراوح عرض الكتيبة غالباً بين 17 إلى 21 سنتيمتراً، وهو ما يتطلب مرونة عالية في التصميم دون الإخلال بجمالية النص.
أما السمك، فيُعد عاملاً تقنياً مهماً، إذ تبلغ سماكة الكتائب العليا التي توضع أسفل التاج نحو خمسة مليمترات، بينما تصل سماكة الكتائب التي تعلو الأبواب إلى عشرة مليمترات، ما يمنحها صلابة إضافية ويُبرزها بصرياً ضمن التكوين العام.
مع اكتمال التصميم، تبدأ مرحلة التنفيذ باستخدام مكائن الـCNC، حيث يُستخدم النحاس كمادة أساسية في أغلب الأعمال، لما يتميز به من قابلية عالية للتشكيل ومتانة تدوم لسنوات طويلة. تعمل هذه المكائن على تفريغ الآيات بدقة متناهية، لتخرج الكتيبة بشكلها الأولي، حاملة ملامح النص لكنها ما تزال في انتظار لمساتها النهائية.
ومن هنا، تتفرع مسارات العمل.
فبعض الكتائب تتجه مباشرة نحو التذهيب، بينما يمر أغلبها عبر مرحلة "المينا"، وهي من أكثر المراحل حساسية وجمالاً.
تُستخدم في هذه المرحلة مادة زجاجية مسحوقة تُعرف بالمينا، تُضاف بألوان متعددة على سطح النحاس، ثم تُعرض لحرارة تصل إلى ألف درجة مئوية داخل أفران خاصة، لتذوب وتتماسك مع المعدن، مُشكّلة طبقة لونية صلبة تُضفي على الكتيبة عمقاً بصرياً وروحاً فنية مميزة.
بعد ذلك، تنتقل الكتيبة إلى وحدة الطلاء التابعة لشعبة الصياغة والحرف اليدوية، حيث تُطلى بمعدن الذهب باستخدام تقنية الطلاء الكهربائي.
وهنا، تتحول القطعة من مجرد عمل معدني إلى تحفة فنية متكاملة، ينعكس عليها الضوء فتُبرز تفاصيل الحروف وتُعطيها هيبة تليق بقدسية النص.
ولا تنتهي الرحلة عند هذا الحد، إذ تُنقل الكتيبة بعد ذلك إلى موقعها النهائي لتُثبت على الشباك أو الباب، لتصبح جزءاً من مشهد متكامل يستقبله الزائر.
ومن اللافت أن بعض المشاريع، مثل شباك الكف الأيسر، قد أُنجزت كتائبه منذ سنوات لكنها ما تزال بانتظار أمر التثبيت، ما يعكس حجم التخطيط المسبق الذي يسبق تنفيذ المشاريع داخل العتبة.
وإذا ما تأملنا تنوع المشاريع التي احتضنت هذه الكتائب، نجدها تمتد من شبابيك مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام إلى العتبة الكاظمية المقدسة، مروراً بمقامات وشبابيك متعددة، لكل منها طابعه الخاص.
هذا التنوع لا يقتصر على الشكل فحسب، بل يشمل أيضاً الأساليب الزخرفية والخطوط المستخدمة، حيث يُراعى في كل مشروع أن يكون متفرداً رغم اشتراكه في الجوهر.
إن ما يميز هذه الصناعة ليس فقط دقتها التقنية، بل قدرتها على الحفاظ على هوية الخط العربي الإسلامي، مع إدماج أحدث التقنيات في التنفيذ.
كما أن العمل يتم ضمن منظومة متكاملة من الحرفيين والمهندسين والفنانين، الذين يجمعهم هدف واحد، تقديم عمل يليق بالمكانة الروحية للعتبات المقدسة.
وهكذا، تتحول الكتيبة القرآنية من فكرة تُختار بعناية، إلى تصميم يُرسم بدقة، ثم إلى قطعة فنية تُصاغ بالنار والذهب، قبل أن تستقر في مكانها لتروي قصة إبداع لا تُقرأ بالحروف فقط، بل تُحسّ بالجمال والإيمان.