مع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدل ملامح مدينة كربلاء لتغدو أكثر إشراقًا بالإيمان والسكينة.
فمع ساعات المساء الأولى، تمتلئ العتبات المقدسة بالزائرين القادمين من مختلف محافظات العراق وخارجه، يتقاطرون إلى رحاب الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، في مشهدٍ تختلط فيه أصوات الدعاء بتلاوة القرآن، وتتناغم فيه روح العبادة مع مظاهر الخدمة والتكافل.
في أروقة العتبة العباسية المقدسة، تتكثف الجهود الدينية والإرشادية خلال هذا الشهر الفضيل، إذ يعمل قسم التوجيه الديني على تنظيم برامج إيمانية متنوعة تسهم في تعزيز الوعي الديني لدى الزائرين.
فيوضح الشيخ داخل النوري، احد ملاكات القسم، أن "شهر رمضان يمثل محطة روحية مهمة في حياة المسلمين".
ويقول، "شهر رمضان المبارك هو مدرسة روحية يتعلم فيها الإنسان الصبر والتقوى وضبط النفس، وهو فرصة حقيقية لمراجعة الذات والعودة إلى الله تعالى من خلال الصيام والصلاة وقراءة القرآن."
ويضيف، "القسم يحرص خلال هذا الشهر على تكثيف النشاطات الدينية، من خلال إقامة المجالس الوعظة والدروس الفقهية، بالإضافة إلى الإجابة عن استفسارات الزائرين وتقديم الإرشاد الشرعي لهم.
ويشير الشيخ النوري إلى، أن "هذه الفعاليات تهدف إلى نشر الثقافة الإسلامية وتعزيز القيم الدينية بين مختلف شرائح المجتمع، لافتًا إلى أن أجواء رمضان في كربلاء تمتاز بخصوصية تجمع بين العبادة وخدمة الزائرين".
ولا تقتصر هذه الأجواء على العاملين في العتبات المقدسة، بل تمتد لتشمل الزائرين الذين يقصدون المدينة طلبًا للطمأنينة الروحية.
الزائر فواز سعد ردان (41 عامًا) القادم من محافظة البصرة – قضاء المدينة، يؤكد أن كربلاء تمنح الزائر إحساسًا مختلفًا لا يمكن أن يجده في مكان آخر.
ويقول ردان، إن "هذه الزيارة ليست الأولى له، إذ اعتاد القدوم إلى كربلاء لما تحمله من معانٍ دينية وروحية عميقة".
مضيفًا، "كربلاء هي كربلاء الحسين، وكل شيء فيها جميل، وعندما أزورها أشعر وكأنني في الجنة".
ويشير إلى أنه يحرص على زيارة المرقدين الشريفين حتى في أثناء سفره أو عمله في مدن أخرى، مبينًا أنه زار مدنًا دينية مثل النجف الأشرف وبغداد، إلا أن كربلاء تبقى الأقرب إلى قلبه لما تحمله من خصوصية روحية مميزة.
ليلة النصف من رمضان
وكما يبدو ان النصف من رمضان له امتياز خاص لدى الزائرين، أسوة بليالي أيام الجمع الأسبوعية.
اذ يشير أحمد عبد الحسين الكعبي (36 عامًا) القادم من محافظة ذي قار، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، الى أنه "حرص على القدوم مع عائلته لإحياء هذه الليلة المباركة في رحاب الإمام الحسين (عليه السلام).
ويضيف، "زيارة كربلاء تمثل فرصة مهمة لتربية الأبناء على حب أهل البيت (عليهم السلام) وتعزيز القيم الدينية في نفوسهم".
ويقول الكعبي، "قدسية المدينة نابعة من احتضانها لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ضحّى من أجل نصرة الحق، مؤكدًا أن هذه المكانة تجعل المؤمنين يقصدون كربلاء في مختلف المناسبات الدينية والليالي المباركة".
أما حسن علي الموسوي (28 عامًا) القادم من محافظة البصرة، فيوضح أنه اعتاد زيارة كربلاء في المناسبات الدينية لما تحمله من أجواء روحانية مميزة، مشيرًا إلى أنه قدم هذا العام مع مجموعة من أصدقائه لإحياء ليلة النصف من رمضان بالقرب من مرقد الإمام الحسين (عليه السلام).
ويرى الموسوي أن كربلاء تمنح الزائر حالة من الراحة النفسية والطمأنينة، حيث يشعر الإنسان بالقرب من الله وسط أجواء العبادة والدعاء التي تملأ أرجاء المدينة، لافتًا إلى أن واقعة الطف وتضحية الإمام الحسين (عليه السلام) جعلت من كربلاء رمزًا للحق والعدل عبر التاريخ.
أهالي المدينة
في المقابل، يعيش أهالي كربلاء هذه المناسبات بروح من الفخر والمسؤولية.
علي جاسم الطائي (45 عامًا)، وهو متزوج ويسكن في حي الحسين، يقول إن "رؤية هذا العدد الكبير من الزائرين وهم يتوافدون إلى المدينة تمنحه شعورًا عميقًا بالاعتزاز".
ويضيف، "أهالي كربلاء اعتادوا استقبال الزائرين وخدمتهم بمحبة كبيرة، لأنهم يرون في ذلك شرفًا يرتبط بخدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام".
مشيرًا، "المدينة تشهد خلال هذه المناسبات حركة واسعة تتطلب جهودًا تنظيمية وخدمية كبيرة".
بدوره، يوضح حسين عبد الأمير الموسوي (33 عامًا)، وهو متزوج ويسكن في العباسية الشرقية، أن "أهالي المدينة يشعرون بسعادة كبيرة عندما يشاهدون ملايين الزائرين يتوافدون إلى كربلاء لإحياء المناسبات الدينية".
مؤكدًا "هذه المشاهد تعكس المكانة العظيمة للإمام الحسين (عليه السلام) في قلوب المؤمنين حول العالم".
ويشير الموسوي إلى، أن "العتبات المقدسة تبذل جهودًا كبيرة في تنظيم حركة الزائرين وتوفير مختلف الخدمات، سواء من خلال توفير أماكن الصلاة والاستراحة أو الاهتمام بالنظافة وتقديم الدعم الصحي والإرشادي للزائرين".
وفي ظل هذه الأجواء، يبقى الأمل المشترك بين الزائرين وأهالي كربلاء أن تشهد المدينة مزيدًا من التطور في البنى التحتية والخدمات العامة، بما يتناسب مع مكانتها الدينية العالمية وحجم الزائرين الذين يقصدونها سنويًا.
وهكذا، يمضي شهر رمضان في كربلاء بين عبادة وخدمة، وبين دعاء الزائرين وابتسامة أهل المدينة، لتبقى هذه الأرض المباركة محطةً روحية يقصدها المؤمنون طلبًا للسكينة والرحمة.