image alt

غرست لتبقى.. (75) كيلو متر من التشجير

غرست لتبقى.. (75) كيلو متر من التشجير


لم تكن الشوارع تشهد حركة اعتيادية فقط، بل بداية تحول أخضر يغير ملامح المكان على امتداد الطرق المؤدية إلى مرقد الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله عليه ومستشفى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

بدأت مشاتل الكفيل بزراعة أكثر من 700 شجرة، لتكتب فصلاً جديداً من فصول العناية بالبيئة والجمال في محافظة كربلاء المقدسة، فالأشجار التي غرستها الأيدي اليوم، لم تكن شتلات صغيرة تنتظر سنوات كي تُرى، بل أصنافًا خارجية كبيرة الحجم، بثلاثة أنواع مدروسة، يصل ارتفاع بعضها إلى أربعة أمتار وبسماكة لا تقل عن أربع سنتمترات.

اختيارها لم يكن عشوائياً، بل كان نتيجة تخطيط يراعي طبيعة الشارع العراقي، وحرارة الصيف، وقسوة المناخ.


ويبعد مزار مرقد الحر بن يزيد الرياحي، أحد شهداء معركة الطف الشهيرة، تقريبًا خمسة كيلو مترات عن المدينة القديمة التي تضم مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام.

يقول مدير مشاتل الكفيل محمد حربي، إن "هذه الأصناف صُممت لتتحمل الظروف الجوية الصعبة، وتحتاج إلى عناية أقل من غيرها، لأنها أشجار قوية، قادرة على الصمود في مثل بيئة العراق والتي تتميز بارتفاع درجات الحرارة وفيها تشتد الحاجة إلى الظل".

مبينا، "وجود تلك الأشجار لا يقتصر على تحسين المشهد، بل يتعداه إلى صناعة الظل، وصدّ الرياح، وامتصاص غاز ثنائي أكسيد الكربون، مقابل إطلاق الأوكسجين وتخفيف الملوثات".

الحملة لم تقتصر على موقع واحد، بل توزعت على مناطق عِدّة في القضاء، من بينها العسكري والطاقة والأمن الداخلي، في مشهد يعكس اتساع الرؤية التي تقف خلف المشروع، فهي لا ترى في الزراعة حَدَثًا مؤقتاً، بل مسؤولية طويلة الأمد".


وجاء اختيار 700 شجرة، بناءً على طلب بلدية قضاء الحر، ووفق دراسة جدوى فنية راعت طبيعة المكان والمسافات المتاحة على امتداد الشارع، وأن الأشجار زُرعت بمسافة ستة أمتار بين شجرة وأخرى، لضمان نموها السليم وتحقيق الفائدة البيئية المطلوبة.

وبين شجرة وأخرى، جرى غرس شجيرات صغيرة بلغ عددها نحو 35 ألف شجيرة، ما أسهم في تعزيز الغطاء النباتي وتكثيف المساحات الخضراء على طول الطريق.

وبحسب الدراسة الموضوعة، فإن المسافة الكلية المزروعة على امتداد الشارع تبلغ نحو 75 كيلومتراً، لتشكّل واحداً من أوسع مشاريع التشجير في كربلاء.

ويلفت حربي إلى، أن "زراعة الأشجار رغم أهميتها، تبقى الخطوة الأسهل، فيما تكمن التحديات الحقيقية في ديمومتها واستمرار العناية بها".

موضحا، "لهذا كان التنسيق مع الدوائر البلدية جزءاً أساسياً من المشروع، لتشكيل فرق مختصة تتولى السقي والرعاية والمتابعة، بإرشاد مستمر من إدارة المشتل، التي تضع خبرتها في خدمة أي جهة معنية بالحفاظ على هذه المساحات الخضراء".


خطط لتوسيع الرقع الخضراء في عموم كربلاء


ولا يتوقف الطموح عند حدود قضاء الحر، فهناك خطط مستقبلية لتوسيع هذا المشروع ليشمل مداخل كربلاء وشوارعها الرئيسة، ضمن برامج زمنية تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل، في محاولة لإعادة رسم المشهد البيئي للمدينة.

أما الرسالة الأهم، كما يوضحها حربي، فهي أن "يكون هذا الشارع نموذجاً حيّاً، نموذجاً يلمسه الأهالي بأعينهم، فيدفعهم إلى تكرار التجربة وزراعة الشوارع القريبة من منازلهم، بعد أن يروا الفرق الذي تصنعه الشجرة في المكان، ليكون العطاء أخضر والفائدة عامة".

من جهته يقول المهندس عباس موسى، نائب الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة، إن "الدافع الذي تقف خلفه العتبة في تنفيذ هذه الحملة لا ينفصل عن جوهر رسالتها المستلهمة من سيرة الإمام أبي الفضل العباس عليه السلام، تلك السيرة التي قامت على العطاء والبذل وخدمة الإنسان دون تمييز".

فالزراعة، بحسب تعبيره، ليست حَدَثًا جمالياً فحسب، بل هي عبادة بمعناها الواسع؛ لأنّها تمنح الحياة وتحيي المكان وتترك أثراً يمتد إلى أجيال قادمة".

ويبين نائب الأمين العام، أن "اختيار قضاء الحر جاء انطلاقاً من قراءة واعية لحاجة المنطقة البيئية والخدمية، لأنّها من المناطق الحيوية التي تحتضن طرق الزائرين المؤدية إلى المرقد الشريف، وتفتقر في بعض مفاصلها إلى الغطاء النباتي الكافي".


ويتابع، "من هذا المنطلق، أرادت العتبة أن يكون حضورها في هذا القضاء حضوراً فاعلاً ومؤثراً، ينسجم مع مسؤوليتها الشرعية والإدارية في تحسين الواقع البيئي، وتهيئة فضاءات أكثر إنسانية وأماناً للمجتمع".

ويوضح المهندس عباس موسى، "العتبة لا تنظر إلى العدد بوصفه رقماً، بل بوصفه رسالة مفادها أن خدمة الإمام العباس عليه السلام لا تُختزل داخل حدود الصحن الشريف، بل تمتد إلى الشارع، وإلى ظل شجرة يستظل بها عابر سبيل، أو يتنفس عندها طفل هواءً أنقى".

ووجه نائب الأمين العام دعوة مفتوحة للأهالي والمؤسسات للاقتداء بهذه المبادرة، وتحويل التشجير إلى ثقافة عامة، معللا، "الأرض التي تُزرع بالعطاء لا تعطي إلا خيراً".

بدوره يرى المهندس الزراعي يوسف محمد أن زراعة الأشجار الكبيرة تُعد خطوة متقدمة مقارنة بزراعة الشتلات الصغيرة، مشيرًا إلى أنّها "تختصر سنوات من النمو، وتبدأ بتقديم فوائدها البيئية فوراً".

ويقول، "الأشجار الكبيرة توفر الظل بشكل مباشر، وتُشارك في خفض درجات حرارة السطح والهواء المحيط، كما أن جذورها تكون أكثر ثباتاً، ما يقلل من احتمالية تلفها أو اقتلاعها، خصوصاً في البيئات المفتوحة والطرق العامة".


ويضيف، "لهذه الأشجار دور فاعل في تقليل الغبار العالق، إذ تعمل أوراقها وأغصانها كمصدات طبيعية للجسيمات الدقيقة، فتحد من حركة الغبار وتراكمه، ولا سيما في المناطق المكشوفة".

مكملا، "كما تشارك في تحسين المناخ المحلي عبر خفض الإشعاع الحراري، وزيادة الرطوبة النسبية، وتحسين جودة الهواء عن طريق امتصاص الملوثات وغازات الاحتباس الحراري، وإطلاق الأوكسجين".

وفيما يتعلق بمدى ملاءمة هذه الأصناف للبيئة العراقية، يؤكد يوسف أن "اختيار الأشجار المقاومة للحرارة والجفاف يُعد عاملاً حاسما لنجاح المشروع على المدى البعيد".

 مشيرا، "الأصناف التي تتحمل درجات الحرارة العالية، وشُحّ المياه، وتفاوت التربة، تُعدّ الأكثر قدرة على الاستمرار في ظروف العراق المناخية، بشرط أن تُزرع على وفق أسس علمية صحيحة تراعي المسافات ونوعية التربة ونظام الري".

ويرى المهندس يوسف محمد، أنّ مثل هذه الحملات، على الرغم من أنها لا تُعدّ حلاً نهائياً للتصحر بمفردها، إلا أنها تشكّل خطوة عملية ومؤثرة في مواجهته، ولا سيما داخل المدن وعلى أطرافها.

فالتشجير الحضري يقلل من زحف الرمال، ويحد من تدهور التربة، ويسهم في استقرار المناخ المحلي، خصوصاً إذا ما تم توسيعه وتحويله إلى برامج مستدامة متكاملة.


إشادة وترحيب الأهالي


إلى ذلك، يشير الحاج أبو أحمد، أحد أهالي المنطقة إلى، أن "شوارع قضاء الحر، قبل انطلاق حملة التشجير، كانت تفتقر إلى المساحات الخضراء، وتعاني من الغبار وارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في فصل الصيف، حيث كانت الطرق طويلة ومكشوفة، ولا توفر ظلاً كافياً للمارة أو لأصحاب المحال القريبة".

ويضيف، "هذه المبادرة تركت انطباعاً إيجابياً منذ أيامها الأولى، معرباً عن شعوره بأن المنطقة مقبلة على تغيير حقيقي في شكلها وواقعها، ليس من ناحية الجمال فقط، بل من حيث الراحة النفسية وجودة الهواء".

مؤكداً أن الشجرة حين تُزرع اليوم، فإن أثرها سيكبر مع الوقت ويعود بالنفع على الجميع، وعن دور العتبة العباسية المقدسة، يرى أن حضورها في المنطقة يعكس اهتماماً حقيقياً بالإنسان قبل أي شيء آخر.

مبيناً، "دعمها لمثل هذه المشاريع يُشعِر الأهالي بأن هناك جهة تتابع وتخطط وتنفذ، ولا تكتفي بالوعود، بل تترك أثراً ملموساً على الأرض".

ويتمنى أبو احمد، أن يكبر أبناؤهم في بيئة أنظف وأكثر خضرة، وأن تصبح هذه الأشجار جزءاً من ذاكرتهم اليومية، توفر لهم الظل في طريق المدرسة، وهواءً أنقى، ومساحات أجمل، يشعرون فيها بالانتماء والمسؤولية تجاه مدينتهم.