image alt

عاشوراء 1448.. يوم العباس

عاشوراء 1448.. يوم العباس


السابع من محرم الحرام، إنّه يوم استثنائي بامتياز، فبحسب العُرف الشعبي أنّ هذا اليوم هو يوم أبي الفضل العباس عليه السلام، عنوان البطولة والفداء في يوم معركة كربلاء.

فالعباس في الموروث الشيعي لا يزال يمثّل نقطة فاصلة في تلك المعركة، فديمومة استمرارها أو اختتامها بشهادة الإمام الحسين عليه السلام، كان أمرًا بين أمرين، إمّا إيصال الماء إلى المخيم الحسيني، أو تعذّر ذلك، وهذا ما جرى عندما سقط أبو الفضل شامخا.

تضجّ شوارع المدينة في هذا اليوم بصورة شاملة، فتشترك جميع المواكب الحسينية في إحياء يوم العباس عليه السلام، متمثلة بمواكب اللطم والزنجيل ومواكب التشابيه.

والمراثي التي ترددها مواكب العزاء تمجّد بهذا البطل، وتثمّن مواقفه في نصرة أخيه، ولا تغيب رمزية الماء عن تلك القصائد.

وكما يبدو أنّ تلك المراثي ساهمت بشكل كبير في نقل تفاصيل معركة كربلاء من جيل إلى جيل، عبر ما يكتبه الشعراء ويردده المنشدون، أو ما يعرف بالعراق بتسمية (الرادود).

واللافت أنّه لا يخلو مجلس أو موكب حسيني من وجود رادود، فهو كعمود الخيمة التي لا ترتفع من دونه.

وبحسب بعض المطلعين يتجاوز عدد الرواديد في مدينة كربلاء المقدسة الـ 300 رادود حسيني.

ويتقن الرادود إلقاء المراثي التي تنعى شهداء كربلاء بألحان عِدّة، والتي يطلق عليها في العراق تسمية (أطوار).

فعندما تجوب المواكب العزائية شوارع المدينة يُلحظ أنّ كل رادود يلقي المرثيّة على وفق طور مختلف عن طور الرادود في الموكب الذي سبقه أو أعقبه.

ولطالما عُرِف العراق بأطواره الشجيّة التي تثير المشاعر وتدرّ الدمع، خصوصًا أطوار المناطق الجنوبية منه.

desc-72de8bda2afdce42.jpeg


رمزية الماء وأبي الفضل العباس

ويُلقّب أبو الفضل العباس عليه السلام بساقي عطاشى كربلاء، وجاء هذا اللقب نتيجةً لتوليه جلب مياه الشرب في فترة الحصار الذي ضربه الجيش الأموي على المخيم الحسيني.

تلك المهمة التي كانت بمنتهى الخطورة، وتتطلب شجاعة وإقدام خصوصا أنّ جيش الأعداء كان يقطع الطريق على مصادر المياه، مما كان يستدعي من أبي الفضل عليه السلام اختراق صفوف المقاتلين في كل مرة يقصد بها الماء.

وتنقل المرويات التاريخية أنّ العباس عليه السلام سقط في كمين أعدّه الجيش الأموي الذي عجز عن مواجهته بشكل مباشر، مما أفضى إلى استشهاده في نهاية الأمر محتضنا قربة الماء بصدره بعد أن قُطعَت كفّاه غِيلة.

desc-7e1372fd4a735858.jpeg


النقّارة

لا يكتمل مشهد المواكب الحسينية دون ذلك الصوت المميّز الذي يسبق خطوات المعزّين أو يرافقها، وهو صوت النقّارة التي تحولت عبر السنين إلى جزءٍ من الهوية السمعية للشعائر الحسينية، وحافظةٍ لتراثٍ تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل.

وتُصنع النقّارة من هيكلٍ خشبي، يُشدّ على فوهته جلدٌ طبيعي يُختار بعناية لضمان جودة الصوت وقوته.

وتمرّ عملية تصنيعها بمراحل عِدّة تبدأ بتشكيل الوعاء الخشبي وصقله، ثم إعداد الجلد ومعالجته قبل تثبيته وشدّه بطريقة تضمن إخراج النغمات والإيقاعات المطلوبة.

وقد تستغرق عملية تجهيزها أيامًا أو أسابيع تبعًا لحجمها ودقة صناعتها.

ولا تقتصر أهمية النقّارة على أنّها أداةٌ لإصدار الإيقاع، بل تؤدّي دورًا محوريًا في تنظيم حركة الموكب وتوحيد خطوات المشاركين فيه، إذ تمنحهم إشارةً سمعية مشتركة تسهم في الحفاظ على انسجام المسير وانتظامه، فضلاً عن دورها في إضفاء أجواء الحزن والهيبة التي تميز الشعائر الحسينية.

ولأنّ الطَّرْقَ على النقّارة يحتاج إلى مهارةٍ وخبرةٍ خاصة؛ يُختار القائمون عليها بعناية بعد فترات تدريب طويلة يتعلمون فيها الإيقاعات المتوارثة وأساليب الأداء التي تتناسب مع طبيعة كل موكب ومناسبة.

وفي كثير من الأحيان تنتقل هذه الخبرة بين أفراد العائلة الواحدة أو بين أبناء الموكب جيلاً بعد جيل، حفاظًا على هذا الإرث الشعبي العريق.

desc-fd28d4e3a3fbfe16.jpeg


خطط مُعَدّة مُسبَقا

يتجمّع أهل المحلات السكينة في المدينة القديمة عند التَكية الخاصة بهم، قبيل الاستعداد للانطلاق في مسيرة موكب العزاء.

ويُقسم الموكب على مجاميع يرتبط حجمها بعدد الحضور، كل مجموعة تتولى ترديد المراثي.

وتنطلق المواكب باتجاه صحن أبي الفضل العباس عليه السلام، وتتوجه بعد ذلك إلى الصحن الحسيني قاطعين في مسيرهم منطقة بين الحرمين.

داخل الروضة الحسينية المطهرة يتجمّع أفراد الموكب حول المنبر الذي يرتقيه الرادود قبل أن يباشر بإلقاء المراثي التي تتضمن قصيدة حسينية بطور حزين يختاره الرادود على وفق الوزن الشعري للقصيدة، وما إن ينتهي حتى تنصرف جموع المعزين كلٌّ إلى منطقته، وبها تنتهي مراسيم العزاء لهذا اليوم.

desc-244d62b0ca96b181.jpeg