ما إن انتهت مراسم الليلة الثالثة من محرم الحرام، حتى تهيّأت المواكب الحسينية لإحياء الليلة الرابعة.
تلك الليلة المُخصّصة بحسب العرف المنبري من شهر محرم الحرام، لأمّ أبي الفضل العباس وإخوته عليهم السلام، تلك المرأة التي صنعت من أبنائها الأربعة دروعا لسبط النبي الهادي المهدي.
إنّها ليلة فاطمة بنت حزام الكلابية المُكنّاة أمّ البنين، لم تكن مجرد شخصية مرت في التاريخ، بل هي نهج أخلاقي حيّ، يؤكد أنّ عظمة النساء تُقاس بحجم ما يتركنه من أثر في بناء الإنسان وصياغة المواقف المُشرِّفة.
ولهذا اليوم خصوصية في مدينة كربلاء المقدسة، إذ تُقام الشعائر الحسينية المرتبطة بأيام عاشوراء،
وسط شارع قبلة أبي الفضل العباس عليه السلام في مركز المدينة، فيحتشد آلاف الزوار على جانبي الطريق، وأعينهم تترقب ظهور أولى مواكب العزاء، التي في العادة تنطلق بعد الظهيرة.
وغالبا ما تكون في طليعة تلك المواكب التي تنظمها الهيئات الحسينية الشعبية، مواكب التشابيه، وبما أنّ اليوم مقرون بذكرى السيدة أمّ البنين عليها السلام، فهناك ترتيبات خاصة لاستذكارها.

الاختيار المبارك
أصل الحكاية بعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، حينما طلب الإمام علي عليه السلام من أخيه عقيل بن أبي طالب الذي كان يتّصف بمعرفته الواسعة بأنساب العرب، أن يختار له زوجة قد ولدتها الفحول من العرب، والسبب كما حدّده الإمام علي عليه السلام، "لتلد لي غُلامًا فارسًا ينصر ولدي الحسين في كربلاء".
وقع الاختيار على السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية، وبنو كلاب قبيلة عربية عريقة عُرفت بالشجاعة، والكرم، والفروسية.
أنجبت السيدة فاطمة التي كُنِّيت بأمّ البنين للإمام علي عليه السلام أربعة أولاد هم، العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، واستشهدوا أجمعهم في واقعة الطف وهم يذودون عن الإمام الحسين عليه السلام.
لم تربِّ أمّ البنين أولادها على حب الذات، بل زرعت في نفوسهم التضحية والفداء لخامس أهل الكساء، وهذا ليس ببعيد عن أحداث واقعة الطف الحسيني في كربلاء المقدسة للعام 61 هجرية، حينداك وقف العباس وإخوته سدًّا منيعا لحماية مخيم بنات آل المصطفى صلى الله عليهم أجمعين.

مجالس العزاء النسوية
يعود تاريخ مجالس العزاء النسوية بحسب المؤرخين إلى الأيام الأولى التي تلت معركة كربلاء سنة 61 هجرية، وتُعدّ السيدة زينب وأمّ كلثوم، ومعهما نساء أهل البيت عليهم السلام، أوّل من أقام مجالس العزاء والبكاء على الإمام الحسين عليه السلام.
ومع مرور الوقت وتطور المجتمعات، تحول هذا الدور التلقائي إلى وظيفة دينية واجتماعية، مخصصة لنساء يمتلكن مواصفات معينة، كالثقافة الدينية، والصوت الشجي، والقدرة على الخطابة وعُرِفنَ في العراق والخليج باسم المُلّاية.

بحّة الصوت الحزينة
في حسينية فاطمة الزهراء داخل أحد أحياء كربلاء القديمة، يقِفْنَ مئات النسوة بعباءاتهنّ السوداء يترقّبن الملاية "ملوك" وهي تعتلي المنبر.
والمُلّاية هي التسمية التي تُطلق على النائحة في العراق.
وورثت الملاية ملوك التي شارفت على عقدها الثامن من العمر، هذه الطريقة عن والدتها، حيث تبدأ مجلسها بالنعي اللّامي، الطور العراقي الحزين الذي يلامس القلوب، خصوصا عندما يكون هذا اليوم هو اليوم الرابع من محرم الحرام، لما له من خصوصية تهزّ الوجدان الإنساني، التي طالما جسّدها الإمام العباس وإخوته الأربعة في يوم عاشوراء.
في تلك الأمسيات والليالي والأيام تُرَتَّل الأشعار والقصائد لتصف لنا ملامح تلك الوقفة العباسية على نهر العلقمي، على أنها رسالةٌ وعنوانٌ صريح للالتزام بالعهد الذي يمثّل أبا الفضل العباس.
الملّاية ملوك تمتاز بصوت رخيم، ممزوج بحشرجة الشجن واللوعة، صوت لا يحتاج إلى مكملات صوتية كي يهزّ الوجدان، بل يعتمد تماما على حبال صوتية تمزج بين النعي والندبة، فمجلسها عبارة عن فقرات ومراحل مدروسة توراثتها جيلًا عن جيل.
المقدمة تبدأ بالحديث عن الجوانب الأخلاقية، والفقهية، والتربوية، مستمدة من سيرة أهل البيت عليهم السلام، وتركّز على دور المرأة، والتربية الصالحة، والصبر.
أمّا المرحلة الثانية، فهي القريض والنعي، التي بها تبدأ الملّاية بسرد تفاصيل واقعة الطف بأسلوب النعي (الطور اللامي)، وهو نوع من أنواع اللحن الشعبي الحزين الذي يلامس القلوب مباشرة.
المرحلة الأخيرة "الفزاعية"، تقف النساء في حلقات، وتبدأ الملّاية بإلقاء الردّة، وتتفاعل النساء باللطم على الصدور على إيقاع صوت الملّاية.
المنبر ليس وليد اللحظة
خلافا لما يعتقده البعض من أنّ عمل الملّاية يعتمد على العاطفة الارتجالية، فإنّ الدقائق الستين التي تقضيها على المنبر تسبقها أيام طويلة من البحث والتحضير.
تشير الملّاية الشابة زهراء الموسوي 32 عامًا، وهي خريجة علوم إسلامية، "المأتم النسائي اليوم لم يعد كما كان في السابق مقتصرا على النحيب، فالحاضرات الآن طبيبات، وجامعيات، ومثقفات".
وتضيف، "إذا لم أطرح فكرة فقهية أو اجتماعية رصينة في النصف الأول من المجلس سيفقد المنبر قيمته".
مع ختام المجلس، تخرج النساء بعيونٍ مُحمرّة من البكاء، وقلوبٍ مُطهّرة، وتبقى الملّاية جالسة على منبرها لثوان، تستجمع أنفاسها بعد جهد وعطاء صوتي وجسدي كبيرين، مستعدة للمجلس القادم في بيت آخر، لتواصل نقل حكاية عاشوراء عبر حنجرتها التي لا تعرف الكلل طيلة أيام العزاء.
إذ تُقام مجالس العزاء النسوية بشكل متعاقب في كل منزل داخل كل حي سكني، مما يضمن اجتماع جميع نساء المنطقة وعدم تشتتهن.
وهذا الأمر لا يقتصر على مدينة كربلاء المقدسة فقط، فجميع مدن العراق تشهد إقامة مجالس العزاء النسوية في المناطق السكّانية بتقليد موروث مُتَّبَع.