image alt

الطريق إلى كربلاء... الشوارع المرقمة

الطريق إلى كربلاء... الشوارع المرقمة

في منتصف الطريق المُمتَد بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، حيث تتلاشى الفواصل الزمانية وتتماهى المسافات أمام زحف ملايين المشاة، يقف العمود رقم 52 شامخًا، يصارع دخان الشاي الساخن وأتربة الطريق، تحت هذا العمود بالتحديد، يجلس الأربعيني أبو أحمد القادم من محافظة الديوانية، واضعًا يديه على ركبتيه المُجهَدتين، وعيناه تترقّب حركة الزحام المتدفّقة كالنهر.

لم يكن أبو أحمد ينظر إلى لافتة العمود الخضراء المُعلّقة على أعمدة الكهرباء، على أنّها هندسة خدماتية صمّاء، بل كان يراها كما يصفها بنفسه، "شريان الأمان الوحيد في أزحم بقعة على وجه الأرض".

يحاول حسين ورفاقه مساعدته، مبادرين إلى سؤاله عمّا يحتاجه، إلا أن أجابته كانت كفيلة بزرع شعور الارتياح لدى الرفاق، "يا أبنائي حاجتي فقط أن يتقبّل الله عملي ويكون الحسين شفيعًا لي يوم القيامة".

ويكمل ممازحًا، "أنا أمتلك ضعف مقدرتكم في إكمال المسير إلى العتبات المقدسة".

كان حسين على مشارف طريق كربلاء المُقدّسة من جهة مدينة النجف الأشرف، بداية طريق "يا حسين".

لقد أنهى للتو بمسيرة العبور ثلاث محافظات على التوالي، منطلقا من قضاء الرميثة مرورا بقضاء الطابو قبل أن ينعطف من قضاء الحمزة في الديوانية صوب قضاء الشامية، وتلاه قضاء عفج، وأخيرًا قضاء غمّاس، قبل أن يدخل مدينة النجف.

يعلّق حسين، "تقريبًا أنهينا 90% من المسير والحمد لله، لقد قطعنا ما يقارب 500 كيلو متر في خمسة عشر يومًا سيرًا على الأقدام".

مشيرًا، "ما يميّز طريق يا حسين الرابط بين مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة أنّ جميع أعمدة الإنارة التي تتوسطه مُرقّمة".

مُضيفًا، "اتصل بي أبو سعد الخادم مستفسرا عن محطة وصولي الحالية".

ويكمل، "بكل بساطة أخبرته أنّني عند العمود 52، وهذا دلالة ليست بحاجة إلى توضيح".

من الفوضى تُولَد الفكرة

في سنوات السير الأولى بعد عام 2003، كان الطريق الرابط بين النجف وكربلاء، والذي يُعرف بطريق "المشاية"، يعتمد على علامات تدريبية وتجريبية، أو مواكب معروفة بأسمائها أو معالم طبيعية كأشجار أو مفارق الطرق.

ومع تزايد أعداد الزائرين أصبحت المشكلة الكبرى التي تواجههم هي التيه والضياع، فكان الزائر يقطع عشرات الكيلو مترات دون أن يعرف كم قطع وكم بقي له، وإذا انفصل طفل عن عائلته أو كبار السن عن رفاقهم، فإن فرصة العثور عليهم وسط الملايين كان تشبه البحث عن ابرة في كومة قش.

من رحم الحاجة جاءت فكرة ترقيم الأعمدة في العام 2008، عبر مبادرة شعبية قادها السيد حميد الحسني، من أهالي مدينة النجف الأشرف.

كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها مُعقّدة في أثرها الكبير والعظيم، مع استغلال الأعمدة الخاصة بنقل الكهرباء والإنارة، وتحويلها إلى نقاط أعلام ثابتة ومُرقمه تسلسليًّا.

desc-2e51bdba7e8c84c3.jpeg

ويمتد طريق العشق الحسيني الرابط بين النجف وكربلاء على مسافة 80 كيلو مترا، تضمّ نحو 1452 عمودا لنقل الكهرباء والإنارة، تفصل بين العمود والأخر مسافة تتراوح بين 50 إلى 55 مترا.

تحوّلت هذه الأعمدة عبر سنوات الممارسة الأربعينية، من مجرد ركائز إنارة إلى أكبر نظام إحداثيات جغرافي يدوي في العالم.

تقول زينب الخفاجي 32 عامًا، وهي مُدرّسة جغرافيا من بغداد تشارك في الزيارة للسنة الثامنة على التوالي، بصحبة أخواتها الأربعة من مسقط رأسها في محافظة النجف الأشرف، "في خضم هذا الحشد الذي يتجاوز عشرات الملايين، تفقد التكنلولوجيا الحديثة وشبكات الاتصال هيبتها، وتتوقّف تغطية الهواتف وتتعطّل خرائط جوجل نتيجة الضغط العالي على الأبراج".

مضيفة، "هنا تبدأ لغة الأعمدة، إنه نظام إحداثيات بسيط، دقيق، وعبقري، لا يحتاج إلى شبكة إنترنت ولا إلى طاقة تشغيلية".

تلك الفكرة عُمِّمت على جميع مسالك الزائرين القادمين سيرًا على الأقدام صوب العتبات المقدسة، إذ جرت عملية الترقيم للأعمدة المنصوبة في طريق كربلاء – بابل، وطريق كربلاء- بغداد أيضا.

ملاكات العتبة العباسية المقدسة 

ولأن الحفاظ على هذا الإرث لا يتحقّق بالحديث عنه فقط، عملت العتبة العباسية المقدسة على تحديث تلك المجسات الرقمية النافذة البصيرة والبصر في تعقب الأشخاص وتحديد أماكنهم. 

مسؤول وحدة المخابرة في قسم الاتصالات السيد صاحب حسن، يؤكّد على إنَّ "ملاكات عدد من أقسام العتبة العباسية المقدسة شرعت بأعمال استبدال الأرقام التالفة في الأعمدة المنتشرة ضمن محور (بابل - كربلاء) ومحور (النجف - كربلاء)، بأرقام مضيئة في الظلام تتيح للزائر التعرف إليها في أوقات الليل والنهار".

مضيفا، " وتأتي هذه الأعمال بهدف توفير أفضل الخدمات لزائري مدينة كربلاء المقدسة ولا سيما في الزيارات المليونية".

علمًا أنّ نظام ترقيم أعمدة طريق الزائرين (النجف - كربلاء) يبدأ من الرقم (1) في أطراف مدينة النجف الأشرف وينتهي عند العمود (1452) قرب باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (ع).

 حيث تقوم ملاكات العتبة العباسية باستمرار بصيانة وتجديد هذه الأرقام لتسهيل إرشاد الملايين من السائرين سيرًا على الأقدام.

الأعمدة في عيون الزوار

بالنسبة للزائر الأجنبي الذي يخوض التجربة للمرّة الأولى، تبدو الأعمدة وسيلة لأدراك حجم المتبقي من الرحلة.

يقول مهدي شاه حسيني 58 عامًا زائر قادم من مدينة قم المقدسة، "حين دخلتُ الطريق كنتُ أتساءل كيف سأعرف كم قطعت وكم بقي لي؟ ولكن سرعان ما فهمت هذه الدلالات، والعمود ليس مجرد رقم، هو مؤشّر نفسي". 

ويضيف، "عندما تصل إلى العمود 700 تتنفس الصعداء، لأنّك قطعت النصف من المسافة، وعندما تشاهد العمود 1200 تبدأ دقات قلبك بالإسراع فرحاً، لأنّ كربلاء أصبحت على مرمى حجر". 

قيمة الترقيم تتجلى في حالات التائهين والمفقودين

في مركز إرشاد التائهين الواقع بالقرب من العمود 800 يعبر الشاب سجاد الموسوي عن أهمية هذه الأرقام قائلًا، "تخيّل طفلاً أو شيخاً طاعناً في السن ضلّ عن موكبه، وعند الاتصال التلفوني إن نجح لدقيقة واحدة، سيسأل أهل التائه في أي عمود أنت؟ إذا قال لهم عند العمود 450".

مضيفًا، "عند ذاك نعرف بالدقة المكان، وكم يبعد عنّى والأمتار التي تفصلنا، عندها نطلب منه البقاء تحت العمود حتى نصل إليه، وبالتالي إنّ عملية ترقيم الأعمدة يختصر ساعات من البحث الضائع في المحيط البشري".

نقطة التقاء ثقافية ومحطة للمواكب

لم يقتصر دور ترقيم الأعمدة على تحديد الجغرافيا، بل تعدّاه ليكون هوية للمواكب الخدمية، وأصبحت المواكب تُعرف بأرقام الأعمدة المقامة أمامها، فموكب (كريم أهل البيت) هو موكب العمود 510، ومجمّع الإمام الرضا الخدمي هو عمود 208.

لذلك تجد عند كلّ بضعة أعمدة حكاية، فالأعمدة ذات الأرقام الفردية أو المزدوجة المعيّنة، تحولت إلى نقاط التقاء شهيرة للرفاق الذين تفصلهم جموع المشاة، "إذا ضعت عني، نلتقي عند العمود 1000، جملة تتردد آلاف المرات يوميا بمختلف اللغات والمقامات.

لا يقتصر نفع الترقيم على الزوار فقط، بل يمتد إلى أصحاب المواكب الحسينية وفرق الطوارئ والفرق الطبية، ويوضّح الحاج أبو كرار أحد خدمة موكب شباب القاسم، "عندما نريد التبرع بجهد طبابة أو توزيع مياه، أو حتّى عندما تحتاج إلى سيارة الإسعاف للوصول إلى حالة حرج، فان الأرقام هي العنوان الوحيد الصريح".

مضيفًا، نقول للإسعاف، "نحن عند العمود888 وفي دقائق تكون السيارة في الموقع تماما، وبدون الأرقام كان الوصول لإسعاف المريض في هذا الزحام أمر صعب جدا أو شبه مستحيل بسبب الكثافة العددية للزائرين".