image alt

تراجم العلماء.. جهد حثيث لمركز تراث كربلاء

تراجم العلماء.. جهد حثيث لمركز تراث كربلاء

يحظى كتاب الحدائق الناضرة للشيخ يوسف البحراني بمكانة بارزة على صعيد الدراسة في الحوزات العلمية سواء أفي النجف الأشرف أم قم المقدسة، وحتى بيروت، مما جعله في صدارة الكتب الملزمة لطلبة العلوم الدينية بشكل عام.

وكان الشيخ البحراني يقطن مدينة كربلاء المقدسة، ومن ثراها الطاهر انطلق في كتابة معظم مؤلفاته القيمة.

هذه الهوة بين الكتاب الحي في أيدي الطلبة والعالم الغائب في بطون التاريخ، هي بالضبط ما يقضي الباحث "مرتضى رضا" وقته في ردمها.

وينتسب مرتضى إلى وحدة الفهرسة التابعة إلى مركز تراث كربلاء في العتبة العباسية المقدسة، ويعمل ضمن مشروع "تراجم العلماء" الهادف إلى إبراز أسماء علماء كربلاء من بطون الكتب القديمة، وتسليط الضوء عليهم، عرفانا بجهودهم.

وبحسب آلية عمل المشروع يبين مرتضى، "البحث يبدأ من كتب التراجم القديمة، "طبقات أعلام الشيعة" لأغا بزركَ طهراني، و"تكملة أمل الآمل" للسيد حسن الصدر، و"روضات الجنات" للخوانساري، و"رياض العلماء وحياض الفضلاء" للميرزا عبد الله الأفندي، و"أعيان الشيعة" للسيد محسن الأمين".

وتستخرج من هذه الكتب الأسماء واحداً واحداً، ثم يبدأ العمل الحقيقي، بالبحث عن مؤلفات كل عالم، المطبوعة منها في مواقع النشر وفهارس الكتب، والمخطوطة منها في فهارس المكتبات الإيرانية والعراقية، من مكتبة العتبة العباسية المقدسة إلى مكتبة العتبة الحسينية إلى مكتبة كاشف الغطاء العامة إلى مكتبة الإمام الحكيم في النجف الأشرف.

يقول مرتضى، "بدأ العمل أولاً بعلماء القرن العاشر الهجري، وكان من أبرزهم الشيخ الكفعامي المتوفى سنة 905 هجرية، وهو العالم والأديب والشاعر الذي أقام مركز تراث كربلاء مؤتمرين حول شخصيته وتراثه".

ويضيف، "ثم جرت معالجة القرن الحادي عشر، وأبرز أسمائه عبد النبي الجزائري وعبد الحسين التستري".

مشيرا، "حين اكتمل العمل على القرن الثاني عشر، وكان من أبرز علمائه الشيخ يوسف البحراني صاحب "الحدائق الناضرة".

مكملاً، "أدرك الفريق ضرورة الرجوع إلى ما سبق، فجمعت المادة الأولية للقرون من الثالث إلى التاسع الهجري، ثم انتقل العمل إلى القرن الثالث قبل أن يتقدم تصاعداً".

ويضيف، "اليوم اكتمل العمل من القرن التاسع إلى الثاني عشر، وبات مرتضى وفريقه على أبواب القرن الثالث عشر".

نقطة البداية

المشروع انطلق بمبادرة من الشيخ مسلم رضائي والسيد محمد جاسم مسؤول الوحدة سابقاً، من جوهر عميق في سؤال من هو العالم الكربلائي.

يقول مرتضى، "وضعت ضابطة واضحة لكلّ عالم وُلد في كربلاء أو توفي فيها، أو قدم فيها درسًا أو أخذ درسًا، أو أّلف فيها أو نسخ مخطوطاً، أو عاش فيها ما تبقى من حياته".

والمنهجية المتبعة، هي أن يُدوَّن لكلّ عالِم، "اسمه ونسبه، وولادته، وما قيل في حقه، و"حائريته" أي صلته بكربلاء تحديداً، وتراثه المطبوع والمخطوط على حدة، ووفاته.

وتتوسع المنهجية لتشمل الإجازات العلمية التي منحها كل عالم أو تلقاها، وتدرج صورة الإجازة ونصها إذا توفرت نسخة منها.

والفارق بين بطاقة عالِم في هذا المشروع وبين ترجمة عابرة في كتاب قديم هو هذا التفصيل المزدوج، وتراث مطبوع يبحث عنه مرتضى في فهارس النشر والمواقع الحديثة، وتراث مخطوط يتتبعه في فهارس المكتبات ومعجم المخطوطات العراقية الذي يذكر اسم المكتبة واسم الكتاب ووصف النسخة ومكان وجودها، وعن جهد عمل مرتضى وفريقه المكون من شخصين، "بطاقة العالم الواحد قد تستغرق أياماً".

مئات العلماء

ويكشف مرتضى أنّ الأرقام التي أفرزتها عملية الجرد كشفت ما أعجز الدارسين عن تقديره قبل هذا المشروع.

مبينا، "بعض القرون أخرجت ثمانية وعشرين عالماً، والقرن الحادي عشر أخرج ثمانية وثلاثين، والقرن الثاني عشر ستة وخمسين".

مضيفا، "أما المجموع الكلي في مرحلة الجرد الحالية فبلغ أربعمئة وخمسة وعشرين عالماً، وهو رقم يقدم للباحثين دليلاً مادياً على أنّ كربلاء كانت حاضنة لحركة علمية وحوزة حقيقية عبر القرون، طال غيابها عن المشهد المعرفي الحديث".

desc-40ec461d59d1916b.jpeg

مرجع الباحثين

بدوره يقول طالب الماجستير في كلية العلوم الإنسانية قسم التاريخ الباحث علي كاظم، "في السابق كانت هنالك معاناة في الوصول إلى المصادر وبشكل خاص أسماء العلماء وتأريخهم".

مكملا، "أمّا الآن وببركة مشروع العتبة العباسية المقدسة صار الأمر أسهل".

ويضيف، "رسالة الماجستير الخاصة بي يجب أن تستهدف موضوعاً لم يؤخذ بكثرة، لتبنى عليه حقائق لم تكن معروفة".

مشيرا، "مشروع تراجم العلماء قد ساعدني كثيراً".

ومن إصدارات المشروع، طُبع كتاب علماء القرن العاشر بطبعتين، وكتاب القرن الحادي عشر جاهز، وكتاب القرن الثاني عشر قيد المراجعة النهائية ومن المؤمل إقامة مؤتمر حوله مطلع العام المقبل، وقد صدر من المشروع حتى الآن إصدار رسمي واحد، فيما تتراكم الإصدارات القادمة.

ويصف الدكتور إحسان الغريفي، مدير مركز تراث كربلاء، هذا الجهد ضمن رؤية أشمل، قائلاً "المركز تأسس عام 2012، ويضم وحدة التحقيق التي تصدر تحقيقات لمخطوطات علماء المدينة".

مضيفاً، "فضلًا عن ذلك وحدة الدراسات التي تصدر مجلة "تراث كربلاء" المحكمة في ثمانية وأربعين عدداً حتى الآن، والمعتمدة لدى وزارة التعليم العالي في الترقيات العلمية، ووحدة الفهرسة، ووحدة الإعلام".

مشيراً، "من أبرز ما تعمل عليه وحدة التحقيق كتاب "الإشارات" للشيخ محمد إبراهيم الكرباسي، وهو كتاب بتسعة مجلّدات تُنشر للمرة الأولى في تاريخها وقد استغرق تأليفها نحو خمسين سنة".

المركز يلاقي اهتماما واسعا من الكتّاب والباحثين.

يبين الغريفي، "المؤتمر الأخير عن تراث كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري استقطب نحو مئتين وستين بحثاً من دول عديدة".

والمشروع القائم على يد مرتضى وفريقه من وحدة فهرسة المخطوطات في الهيأة العليا لإحياء التراث، بات يستقبل استفساراتٍ من مؤسساتٍ علمية داخل العراق وخارجه.