image alt

ليالي الجُمع في كربلاء ... ساعات استثنائية بأجواء روحانية

ليالي الجُمع في كربلاء ... ساعات استثنائية بأجواء روحانية

مع اقتراب ليلة الجمعة، تتغير حركة السير في كربلاء المقدسة شيئاً فشيئاً، فالطرق المؤدية إلى مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام تبدأ باستقبال زائرين قدموا من مدن مختلفة، بعضهم جاء لزيارة عابرة، وآخرون جعلوا من ليلة الخميس موعداً ثابتاً يتجدد كلّ أسبوع.

في هذه الليلة، لا يكون الوصول إلى المرقدين المقدسين هو المشهد الوحيد فبين الزائر وخطواته نحو الضريح تمتد حكاية أخرى، عنوانها الخدمة.

ماء بارد، وطعام، وشراب، واستراحة، وإرشاد ديني، ومواكب تفتح أبوابها منذ ساعات النهار، لتستقبل من اختار أن يجعل من ليلة الجمعة موعداً مع كربلاء.

من بغداد يأتي حسين العليّاوي، ومن واسط السيد جابر الجابري، ومن بابل محمد تقي ثلاثة زائرين جمعتهم المحافظات المختلفة، ووحدهم موعد واحد يتكرر كل أسبوع كربلاء في ليلة الجمعة.

لم يعد الطريق بالنسبة إليهم مجرد مسافة تقطعها المركبات، بل أصبح جزءاً من طقس أسبوعي اعتادوا عليه، يبدأ بالاستعداد للرحيل وينتهي عند المرقدين المقدسين.

وَضْع الزوار الثلاث هؤلاء بات ظاهرة عامة تعيشيها كربلاء المقدسة في كل ليلة جمعة على مدار العام.

desc-e72c8e5f0c2161f7.jpeg

بالنسبة إلى حسين العلياوي، القادم من محافظة بغداد، فإن ليلة الجمعة تحمل معنى يتجاوز فكرة الزيارة الاعتيادية فهو موعد ينتظره في أيام الأسبوع، وحين يحين، يبدأ الطريق نحو كربلاء.

يقول، "أحرص على المجيء إلى كربلاء في كل خميس تقريباً، وصارت زيارة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام جزءاً من حياتي، أنتظر ليلة الجمعة حتى أكون هنا بين الزائرين".

مضيفا، "مهما طال الطريق أو نال مني التعب، عندما أصل إلى كربلاء أشعر أن كل هذا التعب يهون أمام الزيارة".

ويتابع، "ما يلفت انتباهي في كل مرة هو كثرة الخدمات المقدمة للزائرين، سواء من العتبات العباسية المقدسة أو من المواكب المنتشرة في الطرق، فالزائر يجد الماء والطعام والشراب وحتى من يساعده في الأمور التي يحتاجها، وهذا الأمر يجعل الزيارة أكثر سهولة وراحة."

مشيرا، "أشعر أنّ خدمة الزائرين في كربلاء أصبحت جزءاً من أجواء الزيارة نفسها فكلما تمشي في الطريق تجد موكباً يقدّم لك شيئاً، ولا أحد يسألك من أين جئت أو من تكون، الجميع ينظر إليك على أنك زائر للإمام الحسين عليه السلام، وهذا بحد ذاته شيء جميل يجعلنا نحرص على العودة مرة أخرى".

أمّا سيد جابر فأعرب قائلًا، "منذ فترة طويلة وأنا أحرص على زيارة كربلاء في ليالي الجمع، وأحاول قدر الإمكان ألا أفوّت هذه الليلة".

مبينا، "هناك شعور مختلف عندما تصل إلى كربلاء في هذه الليلة، لأنك ترى الزائرين القادمين من محافظات مختلفة، وكل واحد منهم يحمل شوقه وحاجته، لكن الجميع يتجهون إلى مكان واحد."

ويضيف، "الخدمات الموجودة في المدينة تجعل الزائر يشعر بأنّ هناك من يفكر فيه منذ لحظة وصوله. تجد المواكب تقدم الطعام والشراب والماء، والعتبة العباسية المقدسة لديها خدمات منظمة تستقبل أعداداً كبيرة من الزائرين، وأكثر ما يعجبني هو أن هذه الخدمة مستمرة وليست مرتبطة فقط بالزيارات المليونية، فحتى ليلة الجمعة العادية تجد هذا الاهتمام بالزائر."

محمد تقي القادم من محافظة بابل تبسم وهو يقول، "كلما يأتي يوم الخميس أشعر أن هناك شيئاً يدفعني إلى كربلاء، حتى أصبحت الزيارة موعداً أنتظره طوال الأسبوع، أجيء من بابل إلى كربلاء لأزور الإمام الحسين وأخاه أبا الفضل العباس عليهما السلام، وأشعر براحة كبيرة عندما أصل إلى المدينة وأرى الزائرين في الطرقات."

ويضيف، "الخدمات التي تُقدّم للزائرين كثيرة، وأحياناً لا ينتبه الإنسان إلى حجم الجهد المبذول خلف هذه الخدمات إلا عندما يزور كربلاء باستمرار، هناك خدام يقفون لساعات طويلة، ومواكب تقدم الطعام والماء والشاي، والعتبة العباسية تقدم خدمات مختلفة للزائرين، وكل هذا يحتاج إلى تنظيم وتعب وجهد".

desc-f95b3752a66ca0c1.jpeg

الخدمة تبدأ من الطريق

في شارع السدرة، يبرز موكب "عزيز الزهراء" واحداً من المواكب التي اختارت أن تجعل من ليالي الجمع مساحة للخدمة.

الموقد مشتعل، وأيدي الخدام لا تهدأ، فيما تتجه الوجوه نحو الزائرين القادمين إلى المرقدين.

هنا لا تُقاس الخدمة بحجم ما يقدم فقط، وإنما بعدد الوجوه التي غادرت الموضع وهي تحمل شيئاً من الراحة بعد عناء الطريق.

يقول كبير خدّام الموكب، "خدمة زائري الإمام الحسين وأبي الفضل العباس عليهما السلام بالنسبة لنا لا ترتبط بموسم معين أو زيارة محددة، وإنما هي مسؤولية وشرف نحاول أن نحافظ عليه طوال العام".

مشيرا، "لهذا نحرص على إقامة الموكب وخدمة الزائرين في كل ليلة جمعة، لأننا نعرف أن كربلاء تستقبل في هذه الليالي أعداداً كبيرة من الزائرين القادمين من مختلف المحافظات".

ومن شارع السدرة تنتقل الحكاية إلى منطقة أخرى قريبة من المخيم، حيث يواصل موكب "بطلة كربلاء" تقديم خدماته للزائرين.

يقول الحاج علي كفيل الموكب، "نحن في موكب بطلة كربلاء نوفر للزائر كل ما نستطيع من طعام وشراب وماء، ونكون قريبين منه في الطريق حتى يشعر أن هناك من ينتظره ويهتم به".

موضحا، "كثير من الزائرين يصلون بعد ساعات من السفر، وأبسط شيء نقدمه لهم يمكن أن يكون له أثر كبير في راحتهم وإكمال طريقهم".

العتبة العباسية.. خدمة تتسع باتساع الزائرين

ولا تقتصر خدمات ليلة الجمعة على المواكب المنتشرة في الشوارع؛ فالعتبة العباسية المقدسة تواصل هي الأخرى إعداد برامج خدمية وإرشادية تتناسب مع ازدياد أعداد الزائرين في هذه الليلة.

في قسم المضيف، يتحول يوم الخميس إلى محطة إضافية لإطعام الزائرين؛ إذ يواصل القسم فتح المنفذ الخارجي للمضيف لتوزيع الأطعمة والأشربة، ولا سيما أن كثيراً من الزائرين يصلون إلى كربلاء بعد انتهاء فترة الغداء.

يبيّن رئيس قسم المضيف المهندس عادل الحمّامي أن "أعداد الزائرين تزداد في ليلة الجمعة، لذلك جرى افتتاح منفذ خارجي بالتعاون مع المتطوعين، لتقديم الطعام والشراب للزائرين الذين لا تتاح لهم فرصة الحصول على وجبة الغداء داخل المضيف".

وبعد انتهاء فترة الغداء، تتواصل الخدمة بتوزيع الشاي والعصائر والمعجنات، فيما أضيف في هذا اليوم خبز اللحم، ثم تبدأ بعد صلاة المغرب عملية توزيع وجبة العشاء لما يقارب ثلاثة آلاف زائر، ويستمر التوزيع لفترات طويلة.

desc-35d0f8335de1d593.jpeg

سؤالٌ يجد جوابه في المرقد

وفي داخل مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، لا تقتصر الخدمة على الطعام والشراب؛ فهناك من يأتي إلى كربلاء حاملاً سؤالاً دينياً أو حاجة إلى معرفة حكم شرعي أو استفساراً يتعلق بحياته.

ولهذا يقيم قسم الشؤون الدينية في العتبة العباسية المقدسة عدداً من المحطات التبليغية داخل المرقد، لتكون قريبة من الزائرين في ليالي الجمع.

ويشير رئيس القسم الشيخ صلاح الكربلائي إلى أن "هذه المحطات أُقيمت للتواصل مع الزائرين والإجابة عن استفساراتهم الشرعية، عبر ملاكات متخصصة تتعامل مع موضوعات متعددة، بينها المسائل الشرعية والاجتماعية والإنسانية والعقائدية".

وهكذا يجد الزائر في ليلة الجمعة أكثر من نوع من الخدمة؛ فهناك من يسقيه الماء، ومن يطعمه، ومن يوفر له مكاناً يستريح فيه، ومن يجيب عن سؤاله، وكل ذلك يجري في مدينة اعتادت أن تستقبل زائريها قبل أن يصلوا إلى أبواب المرقد.

أربعة محاور... ووجهة واحدة

وتتوزع المواكب الحسينية الخدمية في كربلاء على وفق خطة منظمة لخدمة الزائرين القادمين من داخل العراق وخارجه.

ويذكر معاون رئيس قسم الشعائر والمواكب والهيئات الحسينية في العراق والعالم الإسلامي، السيد محمد الطويل، أنّ "المواكب الخدمية تنقسم على قسمين، قسم يؤدي مهامه في ليلة الجمعة، وآخر يشارك في الزيارات المليونية، ومنها زيارة الأربعين".

وتتوزع المواكب على أربعة محاور باتجاه العتبة العباسية المقدسة، تقدّم خدمات متنوعة تشمل توزيع وجبات الطعام والماء البارد، ولا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف.

ومن بين هذه الخدمات ما تقدمه أقسام العتبة نفسها، مثل قسم بين الحرمين الذي يواصل توزيع المياه الباردة، إلى جانب قسم المضيف الذي يتولى تقديم وجبات الطعام للزائرين.

ويأتي تنظيم هذه الجهود، بحسب الطويل، لضمان تقديم الخدمات للزائرين بأفضل صورة ممكنة، في مشهد تتكامل فيه جهود المؤسسات مع ما تقدمه المواكب الحسينية.

desc-764091018a58815d.jpeg