في بلدٍ تلتهمه شمس الصيف وتثقل كاهله أزمة الكهرباء، وُلد مشروعٌ أراد أن يحوّل الحرارة القاسية إلى فرصة، وأن يجعل من الضوء طاقةً ومن الاعتماد على الخارج صناعةً عراقية خالصة.
هنا، في كربلاء المقدسة، لم يكن افتتاح مصنع النور لإنتاج الألواح الشمسية حدثًا صناعيًا عابرًا، بل إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ الطاقة المتجددة في العراق.
تحت أشعة الشمس التي لا تغيب، تتحرك خطوط الإنتاج بصمتٍ دقيق، فيما تتلألأ الخلايا الزجاجية داخل منظومة مؤتمتة بالكامل.
وبين أصوات الآلات وبريق الروبوتات الصناعية، يتجسد مشروعٌ وطني يسعى إلى إنهاء حقبة الاعتماد الكلي على المصادر التقليدية الملوِّثة والمنقضية، عبر توطين صناعة الألواح الشمسية بأيدٍ عراقية وبمعايير عالمية.
إن هذا الصرح ليس مجرد منشأة صناعية، بل حجر أساس في استراتيجية التحول الأخضر التي طال انتظارها في بلاد الرافدين، ويمتد أثره ليعيد رسم ملامح الاقتصاد المحلي عبر توطين صناعة دقيقة بأعلى المعايير العالمية، ليثبت أن استثمار الموارد الطبيعية هو الرهان الأقوى والأجمل لمستقبل الأجيال القادمة، وأن المناخ الحار والمشمس يمكن أن يكون مصدرًا للازدهار بدلًا من أن يبقى عبئًا على شبكات الطاقة.
رسالة الاعتماد على العقل العراقي
في جولاتٍ تفقدية متكررة داخل المصنع، وقف المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، أمام خطوط الإنتاج التي تديرها ملاكات هندسية وفنية عراقية، ليؤكد أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى إلا بتشجيع الطاقات الوطنية وتوظيف التقنيات الحديثة في خدمة التنمية.
"هذا المشروع خطوة أساسية لتقليل الاعتماد التام على الطاقة التقليدية والتحول نحو الاستدامة، وهو في الوقت نفسه فرصة حقيقية لخلق فرص عمل للشباب العراقي ودعم الاقتصاد الوطني".
وشدد الصافي على ضرورة الالتزام بأعلى المعايير الفنية العالمية، بدءًا من فحص المواد الأولية وحتى السيطرة النوعية النهائية، مع إدخال الروبوتات والآلات الحديثة لضمان منتج قادر على منافسة المستورد من حيث الكفاءة والجودة، وأثنى على نسب الإنجاز المتقدمة التي تحققت بأيدٍ عراقية، داعيًا إلى استكمال خطوط الإنتاج بأسرع وقت لدعم السوق المحلية.

فكرة بدأت من أزمة كهرباء
لم تأتِ فكرة إنشاء مصنع النور من فراغ؛ فسنوات العجز الكهربائي، والانقطاعات المتكررة، والاعتماد المتزايد على المولدات والوقود الأحفوري دفعت العتبة العباسية المقدسة إلى البحث عن حلٍ استراتيجي طويل الأمد.
وتبلورت الفكرة حول أربعة أهداف رئيسة، سد جزء من العجز المتزايد في الطاقة الكهربائية، واستثمار الثروة الشمسية الهائلة التي يتمتع بها العراق طوال العام، وتقليل استيراد الألواح الشمسية والحفاظ على العملة الصعبة داخل البلاد، وخفض الانبعاثات الكربونية والتلوث الناتج عن المولدات ومحطات التوليد التقليدية.
وبعد أعوام من الدراسات والنقاشات داخل أروقة العتبة العباسية، صدر القرار بإنشاء أول مشروع صناعي ذكي من نوعه في العراق لتوطين تقنيات الطاقة المتجددة، بتنفيذ قسم المشاريع الهندسية ولصالح شركة الكفيل لحلول الطاقة.
خط إنتاج يديره الذكاء الاصطناعي
داخل القاعة الرئيسة للمصنع، لا تظهر الأيدي العاملة التقليدية في المراحل الحساسة، فالعملية تبدأ بتقطيع الخلايا السيليكونية بدقة ميكرومترية، ثم تلحيمها وتصفيفها آليًا، قبل أن تدخل مرحلة الكبس الحراري والعزل الكامل ضد الرطوبة.
يقول مدير المصنع المهندس علي نور رزاق، إنّ "المنشأة هي الأولى من نوعها في العراق من حيث مستوى الأتمتة والروبوتات الصناعية".
ويضيف، "كل لوح شمسي يخضع لمراحل فحص بصرية وإلكترونية دقيقة داخل خط الإنتاج لضمان أعلى مستويات الجودة".
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمرحلة الأولى 100 ميغاواط سنويًا، أي ما يعادل إنتاج نحو 120 ألف لوح شمسي سنويًا، فيما تتضمن الخطط المستقبلية رفع القدرة إلى 600 ميغاواط وربط المشروع مباشرة بالشبكة الوطنية بالتنسيق مع وزارة الكهرباء.
ألواح صُممت لحر العراق
أحد أهم أسرار المشروع أن الألواح لم تُصمم لبيئة أوروبية أو معتدلة، بل لبيئة عراقية قاسية.
فالخلايا قادرة على العمل في درجات حرارة تتجاوز 55 مئوية، ومزودة بطبقات حماية خاصة تقلل التصاق الغبار وتتحمل العواصف الرملية المتكررة، كما توفر الشركة منظومات متكاملة تشمل، عاكسات تيار ذكية (Inverters) بقدرات متعددة، وبطاريات ليثيوم عالية الكفاء، بالإضافة الى أنظمة خزن طاقة تضمن استمرار تشغيل الأجهزة الثقيلة في أثناء انقطاع الكهرباء.
هذه المواصفات منحت المنتج أفضلية واضحة مقارنة بكثير من الألواح المستوردة التي تنخفض كفاءتها مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

ثقة المستهلك
ربما كان أكثر ما لفت انتباه الزائرين هو الشعار المثبت على الألواح، "صُنع في العراق".
فالمنتج حاصل على اعتماد رسمي من وزارة الكهرباء العراقية لربطه بالشبكة الوطنية، ويحمل شهادة امتياز من الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، إضافة إلى شهادات ISO العالمية لخطوط الإنتاج والفحص.
ويقول مواطنون راجعوا مركز المبيعات في كربلاء إن وجود العتبة العباسية جهةً ضامنة منحهم شعورًا بالأمان الطويل الأمد، بخلاف كثير من الضمانات التجارية المؤقتة في السوق.
وقد شهد المركز حركة مراجعات كثيفة بعد إطلاق الرقم المختصر 5445 للاستفسار عن كلفة المنظومات المنزلية وشروط نصبها، فيما أسهمت التجارب الميدانية الناجحة في المشاريع التعليمية والمتنزهات والمجمعات السكنية في تعزيز الثقة بالمنتج المحلي.
وزارة الصناعة
"مصنع النور يُعد أول مشروع من نوعه لإنتاج الألواح الشمسية في العراق، وهو من المشاريع الصناعية العملاقة والرائدة التي تسهم في دعم منظومة الطاقة الكهربائية وتوطين التكنولوجيا الحديثة".
بهذه الكلمات لخّص مدير المديرية العامة للتنمية الصناعية في وزارة الصناعة والمعادن، الدكتور علي إبراهيم، أهمية المشروع، مؤكدًا أن الوزارة تدعم جميع المبادرات التي تعزز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
رسالة كربلاء إلى العراق
محافظ كربلاء نصيف جاسم الخطابي وصف المصنع، بأنّه "خطوة أولى مهمة باتجاه عمل صناعي كبير في ميدان الطاقة" مشيرًا إلى أن المحافظة كانت من أوائل المحافظات التي دخلت مشروع إنتاج الطاقة الشمسية بقدرة 300 ميغاواط.
أما الأمين العام للعتبة العباسية السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين فرأى في المشروع ثمرة جهد وطني ورسالة واضحة بأن العراق قادر على بناء صناعة متقدمة تعتمد على خبراته المحلية وتقلل خروج العملة الصعبة إلى الخارج.
"نقدّم هذا الإنجاز هديةً إلى بلدنا الحبيب وأبنائه، ليكون خطوة جوهرية في توطين تقنيات الطاقة المتجددة وتعزيز القدرات الوطنية".

بين الشمس والعراق… بداية حكاية جديدة
عندما تغرب الشمس عن كربلاء في نهاية يوم العمل، تبقى خطوط مصنع النور شاهدة على فكرةٍ بدأت من أزمة كهرباء وانتهت بمشروع يطمح إلى تغيير معادلة الطاقة في العراق.
فهنا لا تُنتج ألواح شمسية فحسب، بل تُصنع قصة وطن يبحث عن استقلاله الطاقي، ويمنح أبناءه فرصة ليقولوا، إن الضوء الذي يضيء بيوتهم يمكن أن يكون قد وُلد على أرضهم، وبعقولهم، وبأيديهم العراقية.