image alt

الطريق إلى كربلاء.. 73 راية

الطريق إلى كربلاء.. 73 راية


مع كلّ شروق شمس لا يبدأ يوم جديد من المسير فحسب، بل تُولد حكايات جديدة، وهنا لا يسير العشرات في طريق واحد، بل تتشكّل عائلة كبيرة، لكلّ فرد فيها دور، فهذا يحمل الماء، وذاك يجهز الطعام، وآخر يداوي الأقدام التي أنهكها الطريق، بينما يواصل الجميع السير نحو كربلاء بقلوب تسبق خطواتهم.

لم يكن الوصول إلى مدينة "الخالص" مشابهًا لما مرو بهِ هناك يكون الأهالي بانتظار الزائرين، يستقبلونهم بحفاوة كبيرة، ويقدمون لهم كل أشكال الخدمة.

يصف أبو كيان ذلك الشعور قائلاً، إنّ "الإنسان في المدن يكون بين أهله وناسه وكلهم خدّام للحسين وزائرون، أمّا في تلك المناطق الصحراوية فإنّه يلمس معنى المواساة الحقيقي".

مبينا، "الخدمة هناك تأتي في ظروف أصعب، فتكون أكثر أثراً في النفس".

ويضيف، "حين تصل القافلة إلى الخالص، يتغير المشهد بالكامل وبعد المبيت فيها، تستأنف القافلة سيرها نحو بغداد".

وتتسارع الخطوات وتكمل المسير نحو كربلاء، بدأت الأطلال تتكون إنها معالم بغداد العاصمة العراقية وصلوا مشارفها بعد جهد وتعب ومسير واختبار للصبر وتحمل المصاعب.

بعد الوصول كشف أبو كيان كفيل موكب عليّ الأكبر مشروعًا للسنة المقبلة، "حسينيتان في قلب الصحراء وبعد انتهاء الأربعينية مباشرة".

موضحًا، "سيباشرون العمل من أجل إنشاء حسينيتين في المنطقتين اللتين تفتقران إلى أماكن المبيت والخدمة، لتكونا محطتين ثابتتين للزائرين".

ويذكر أبو كيان، إنّ فكرة المشروع وُلدت في أثناء المسير نفسه، وإنهم بدأوا قبل انتهاء الزيارة بتحديد المواقع المناسبة، وأخذوا الإحداثيات، وحددوا الكيلومترات التي ينبغي أن تُقام فيها هذه المحطات، لأنّها تمثل ضرورة أساسية لخدمة الزائرين في المستقبل.

مشيرًا، "الأيام الثلاثة الأولى من الرحلة تمرّ كلها تقريباً في مناطق صحراوية، حتى إنّ الحصول على الثلج يحتاج إلى تخطيط مسبق، إذ ينبغي إرسال سيارة قبل ساعة كاملة ليصل الثلج في الوقت المناسب".

بغداد... بداية مرحلة جديدة

عند دخول العاصمة، تستقر القافلة في إحدى القرى الواقعة عند مدخل بغداد، وتحديداً في ديوان "قبيلة السودان"، حيث يقضي الزائرون ليلتهم بضيافة أهل قرية الانتصار.

تلك المنطقة التي تبعد عن مدينة الخالص ما يقارب 35 كيلو مترًا، سكّانها بسطاء في حياتهم أغنياء في حب الحسين وأجادوا بما يملكون، فكلّ الأبواب فتحت لزائري الإمام الحسين السائرين على طريق "يا زينب".

أبو حسن السوداني الذي يستقبل القوافل في مضيفه يبيّن أنّ "هذه العادة جرت عندهم منذ انطلاق أوّل قافلة قبل ثمان سنوات عندما كان عددها لا يتجاوز الخمس نفرات".

مُكمِلًا، "كنّا نفتح قلوبنا لهم قبل أبواب مضيفنا".

desc-b7ee197f0eb3a26e.jpeg

ويضيف، "يوم وصولهم إلينا هو يوم سعدنا لأننا نخدم زائرين الإمام الحسين، فنبذل لهم كلّ ما نملك ونستطيع أن نقدّمه على حب الحسين".

تبيت فيها القافلة ثم تنطلق بعدها للمسير صوب طريق يا حسين الممتد من بغداد حتى كربلاء.

يعلق أبو كيان، "المنطقة ريفية وتتحلّى بشجاعة الكرم العربي، وعند دخولها نشعر أننا في ديارنا لما نلاقيه من ترحيب وكرم".

ويضيف، "بعد المبيت في قرية الانتصار والاستيقاظ صباحًا نستعدّ للانطلاق نحو طريق يا حسين لنلتحق بقوافل المسير".

مشيرا، "هنا تختلف الخدمة عما كانت عليه في الأيام السابقة وتتعالى أصوات "تفضل يا زاير" هذه الكلمة لها وقع كبير في نفوسنا وكنا نشتاق لسماعها بعد تلك الرحلة".

بعد الوصول إلى طريق يا حسين تنقسم القافلة على قسمين، قسم يواصل المسير، وآخَر يستقل الحافلات للوصول إلى كربلاء المقدسة بهدف تهيئة أماكن استراحة لرفاقهم الذين يكملون المسير، ليتسنّى لهم الركون إليها عند الوصول إلى كربلاء.


73 راية

على مشارف المدينة القديمة في كربلاء المقدسة، تنعطف المواكب القادمة من المناطق الشمالية والعاصمة العراقية بغداد إلى الشرق، لتجمع المواكب الحسينية الراجلة والانطلاق مجددا صوب العتبات المقدسة تحت راية واحدة تضم أكثر من ثلاث وسبعين راية خاصة لتلك المواكب.

يقول أبو كيان، "إن الدخول الموحد يكون في السابع عشر من شهر صفر بعد صلاة الظهر، حيث تجتمع جميع الفروع القادمة من مختلف المحافظات العراقية في موكب واحد.

ويبلغ عدد الرايات المشاركة نحو 73 راية، بعدد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وتمثل هذه الرايات فروعاً منتشرة في معظم المحافظات، ومنها كركوك، والموصل، والديوانية، والناصرية، والبصرة، وبغداد، والحلة، فضلاً عن أكثر من عشرين مجموعة مشاركة من محافظة بابل.

ويلفت أبو كيان إلى، أنّ "المواكب القادمة من الطريق الجنوبي تندمج مباشرة مع الموكب الرئيس، فيما تنتظر مواكب المسير الشمالي وصول القافلة إلى كربلاء لتشارك في الدخول الموحد نحو مرقد سيد الشهداء عليه السلام، في مشهد يجسّد وحدة الهدف، ووحدة الطريق، ووحدة العزاء، مهما اختلفت المحافظات التي انطلقت منها تلك الخطوات".

ويقول، إنّ "أغلب خدّام الحسين الذين يصلون مبكّراً إلى كربلاء لا يتجهون مباشرة لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، لأنّ مسؤوليتهم الأولى هي إعداد مواقع الخدمة، فيبقون بعيدين عن الحرم حتى ينجزوا ما عليهم من واجبات".

desc-ae337b413218dbbf.jpeg