image alt

الطريق إلى كربلاء.. لقاء الوداع

الطريق إلى كربلاء.. لقاء الوداع

من ثلاث محافظات، وعلى ثلاثة طرقٍ متباعدة، كانت الأقدام ترسم موعدًا لم يُكتب في تقويم، بل حُفر في الذاكرة منذ أعوام.

حسين الصغير شدّ رحاله من البصرة، يحمل في حقيبته القليل من الأمتعة والكثير من الشوق.

 وأحمد جاسم غادر الكوت، يطوي الطريق وهو يردد السلام على الحسين مع كل موكب يمر به.

أما أبو كيان، فقد خرج من كركوك، حيث اعتاد أن يجعل من كل زيارة عهدًا جديدًا لا ينقطع.

في حين كان الخادم أبو أسعد، ابن المسيب، يتهيأ لاستقبالهم كما يفعل في كل عام، مؤمنًا أن خدمة زائر الحسين لا تقل منزلة عن السير إليه.

سنواتٌ من اللقاءات صنعت بينهم صداقةً لا تعرفها خرائط المدن، بل تعرفها طرق المشاية.

لم تجمعهم دراسة، ولا عمل، ولا قرابة دم، وإنما جمعهم حب الحسين وطريق يؤدي إليه.

في المدينة القديمة، حيث تضيق الأزقة باتساع المحبة، وتمتزج أصوات المواكب بدموع الزائرين، وقف أبو كيان عند قبلة أبي الفضل العباس عليه السلام.

كان يحدق في القبة الذهبية طويلًا، كأنه يسلّم عليها باسم كل خطوة قطعها، وكل تعب أخفاه عن رفاقه. 

انحدرت دمعةٌ على خده دون أن يشعر، فيما كانت عيناه تبحثان بين ملايين الوجوه عن ثلاثة وجوه يعرفها القلب قبل البصر.

وفجأة.. استقرت يدٌ على كتفه برفق، وسبقتها كلماتٌ يعرف نبرتها جيدًا، "مأجور أبو كيان.. على التعب."

التفت مسرعًا، فإذا بحسين الصغير يقف أمامه، بوجهٍ أنهكته الشمس، لكن الابتسامة التي ارتسمت عليه كانت أوسع من كل المسافات التي قطعها. 

لم يحتاجا إلى حديثٍ طويل؛ تعانقا كما يتعانق الغائبون بعد سنين، وكأن الطريق كله كان ينتظر هذه اللحظة.

لم تمضِ سوى دقائق، حتى ظهر أحمد جاسم وسط الزحام، يلوح بيده من بعيد وهو يشق صفوف الزائرين، فيما كان أبو أسعد يسرع إليهم من جهة الصحن، بعدما أنهى خدمة مجموعة من المشاية، ليكتمل المشهد الذي اعتادوا أن يكتبوه كل عام.

أربعة رجال... أربع حكايات مختلفة... وأربع طرق بدأت من أماكن متعددة، لكنها انتهت عند نقطةٍ واحدة، وكأنّ الحسين عليه السلام كان يجمع خيوطها بيده حتى لا يضل أحدٌ موعد اللقاء.

جلسوا عند قبلة أبي الفضل العباس عليه السلام، يتبادلون نظراتٍ اختزلت عامًا كاملًا من الغياب.

لم يكن أحدهم يسأل الآخر، "كيف وصلت؟ "فالإجابة كانت واضحة في وجوههم المتعبة، وفي الأقدام التي حملت غبار الطريق، وفي الدموع التي لم تستأذن أحدًا قبل أن تنهمر.

هناك، أدركوا أن بعض الصداقات لا يحفظها الهاتف، ولا تجمعها المناسبات، وإنما يحفظها الحسين، ويجدّدها كل عام عند ضريح أخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام.

فإذا كانت الطرق في الدنيا تتفرع كلما ابتعدت، فإنها في كربلاء لا تعرف إلا اتجاهًا واحدًا.

أن تلتقي عند الحسين، وأن يعود الأحبة كما كانوا، مهما فرقتهم المدن، لأن الموعد الذي يُكتب باسم الحسين لا تؤجله المسافات، ولا تلغيه السنين.

بعد أيامٍ من المسير، وبعد أن أنهكتهم المسافات الطويلة، ووصلت أقدامهم إلى محطتها الأخيرة في كربلاء، كان الموعد الذي اعتادوه كل عام. 

اجتمعوا في شارع قبلة الإمام العباس عليه السلام يستعيدون ذكريات الأيام التي جمعتهم على الطريق، ولكن المشهد لم يكن مكتملًا.

كان بينهم فراغٌ لا يملئه سوى شخص واحد.. تبادلوا النظرات، وأخرج بعضهم هواتفهم، بينما تكررت الاتصالات مرة بعد أخرى دون أن يتبدد القلق. 

الجميع يسأل السؤال ذاته، أين أبو سعد؟

ولماذا تأخر هذه المرة، وهو الذي لم يتخلف يومًا عن هذا اللقاء الذي ينتظرونه في نهاية كل مسير؟

مرت دقائق بدت أطول من المسافة التي قطعوها سيرًا على الأقدام. 

وبينما كانت الأنظار تتجه إلى مدخل الشارع، ظهر أبو سعد مسرعًا، وقد ارتسم على وجهه التعب الذي لا يشبه تعب المشي، بل تعب خدمةٍ اختارها لنفسه دون أن يطلبها منه أحد.

اقترب منهم وهو يلهث، وما إن سألوه عن سبب تأخره حتى ابتسم ابتسامة خجولة، وقال إن الزخم أبطأ وصوله، لكنه اعترف بأن السبب الحقيقي كان شيئًا آخر.

ففي طريق عودته، لم يستطع أن يتجاوز كيسًا مرميًا أو بقايا نفايات خلفها الزائرون. 

كان كلما لمح ما يشوه الطريق الذي سار عليه الملايين، انحنى والتقطه، ثم أكمل سيره، ليعود بعد أمتار فيكرر المشهد ذاته. 

كان يرى أن خدمة الحسين عليه السلام لا تنتهي بانتهاء المسير، وأن تنظيف الطريق لا يقل شأنًا عن السير فيه.

وهكذا، تحولت الدقائق إلى ساعة، وتأخّر عن رفاقه، لكنّه لم يتأخّر عن أداء ما آمن بأنه واجبه.

كان يحمل أكياس النفايات بيد، ويواصل طريقه بالأخرى، حتى غلبه الوقت، لكنه لم يغلبه إحساس المسؤولية.

حين وصل إلى رفاقه، لم تكن كلمات العتاب هي أول ما استقبله، بل كانت الابتسامات التي امتزجت بالفخر. 

أدرك الجميع أنّ أبا سعد لم يتأخر عنهم، بل كان يسبقهم إلى معنى آخر من معاني الخدمة.

في تلك اللحظة، اكتمل المشهد الذي انتظروه طويلًا، عادوا كما اعتادوا في كل عام، صورةً واحدة تجمعها المحبة.

desc-034e76ae47ec4316.jpeg

لكن أبا سعد أضاف إليها درسًا جديدًا؛ فالعزاء لا يكون بالدموع وحدها، والمسير لا يقاس بعدد الخطوات، وإنما بما يتركه السائر خلفه من أثرٍ طيب، وبما يرفعه عن الطريق من أذى.

أكثر من عشرين مليون زائر عشرات آلاف المواكب الحسينية، منازل بأبواب مشرعة وخيام يستظلّ بها الزوار، أغلبهم قطعوا مئات الكيلو مترات سيرا على الأقدام.

كان الجهد الخدمي لا يقابله مثيل حول العالم، فاجتماع أعداد بهذه الكثافة في بقعة واحدة وفي أيام محدودة لا تتجاوز أعدادها أصابع الكف الواحدة أمر لا يستسيغه العقل.

إلّا إنها العناية الإلهية وبركة آل بيت النبي صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين.

لقد استنفرت الحكومة العراقية كافة مرافقها، فيما لم تدخر العتبات جهدا في سبيل سلامة وراحة الزائرين، بينما كان للجهد الشعبي دورا بارزا في إنجاح هذه الزيارة بامتياز.

يكشف الأستاذ علي البدري رئيس قسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة، أنّ "مجموع الزائرين بلغ عشرين مليون نسمة تقريبا".

مبينا، "ساهمت جهود العتبات المقدسة في تأمين انسيابية عالية التنظيم لحركة الحشود المليونية دون أي مشكلات تذكر".

وبعيدا عن لغة الأرقام، يجلس الرفاق الأربعة بالقرب من ضريح أبي الفضل العباس عليه السلام، يتهادون الكلمات الطبية بينهم، ويجددون العهد على اللقاء مجددا في الزيارة القادمة، قبل أن ينحلّ عقد شملهم ويستعدّ الجميع للعودة، كلّ إلى دياره.


تمت.