image alt

الطريق إلى كربلاء.. من جصان إلى النعمانية

الطريق إلى كربلاء.. من جصان إلى النعمانية

تودع مجموعة أحمد جاسم إسماعيل بيوت جصان بعد أداء صلاة الفجر تحديداً وتناول وجبة الفطور، متوجهة نحو أرض صحراوية تحمل اسم الشويچة، امتداد قاحل تتناثر فيه مواكب قليلة متباعدة، يستغرق عبوره قرابة أربع ساعات كاملة تحت شمس تزداد حدة مع كل خطوة.

تتفاوت أحاديث الرفاق بين صمت طويل وذكر مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، بينما يحمل أحمد القريشي عبء كسر هذا الصمت بين الحين والآخر.

ففي اليوم الثاني الذي صادف يوم الخميس يقرأ القريشي بصوته الشجي دعاء كميل للمجموعة في أثناء رحلة مسيرهم.

مع اقتراب الظهيرة، في منطقة تدعى قرية البتار وتبعد خمسة كيلو مترات عن الشويچة.

وبحسب أحمد، "قرية البتار هي منطقة ريفية يشتهر أهلها بتربية المواشي كالجواميس ويوزعون للزائرين قيمر العرب وجبن العرب واللحوم الطازجة".

ويشير، "يشتهر فيها مضيف لاستقبال الناس على مدار السنة وهو مضيف كبير باسم مضيف عبد الزهرة الكعبي".

تظهر أولى معالم مدينة الكوت عند الأفق، مركز محافظة واسط.

desc-79d90948e28ae6dc.jpeg

هنا يحدث تحوّلٌ مفاجئ في طبيعة المسير كله، فبدل الطريق الشبه الفارغ الذي عرفوه طوال الساعات الأربع الماضية، تتزاحم عند مشارف المدينة آلاف الأقدام القادمة من كل اتجاه بنفس طريقهم، بعضها من قرى بعيدة، وبعضها وصل بالسيارات إلى هذه النقطة تحديداً ليلتحق بركبه الأصلي سيراً من هنا فصاعداً متوجهين إلى كربلاء المقدسة، إذ يعلق أحمد جاسم عند وصوله المنطقة المكتظة بالزوار "أشعر بذوبان مجموعتنا الصغيرة المكونة من ستة أشخاص داخل هذا الحشد الهائل".

ويضيف، "يصعب أحياناً تمييز صوت أحمد القريشي وسط عشرات الأصوات الأخرى المرتفعة بالقرآن والأدعية والمرثيات".

في اللحظة ذاتها عند مركز المدينة وهم يتجاوزون قرية البتار الريفية، يسلك أحمد ورفاقه ممراً مختصراً يعرفه سكان الكوت باسم خطوة الإمام المهدي عجّل الله فرجه، يفضي مباشرة إلى منطقة الحسينية.

يحمل هذا الموقع موروثاً شعبياً متوارثاً منذ أجيال بعيدة، مفاده أن الإمام المهدي عجّل الله فرجه توقف عند هذه البقعة تحديداً في طريقه إلى كربلاء لزيارة جدّه الإمام الحسين عليه السلام، وأقام صلاته هناك قبل أن يواصل مسيرته.

يعلق أمير نافع، "الزائر الذي يعرف حكاية هذا المكان يسير فيه بخطى مختلفة تماماً عن سرعته المعتادة".

أما مجموعة أحمد جاسم فيبطئون خطواتهم هنا، كما يفعلون كلّ عام، متأملين فكرة أن قدماً شاء الله لها أن تغيب عن الأعين سارت في الطريق ذاته قبل قرون طويلة، بينما هم يسيرون اليوم على أثرها الذي يأخذ مأخذه من أنفسهم.

يشاهد أحمد دون أن ينبس ببنت شفه وحوله مشهد يتكرر كل موسم عند هذه النقطة تحديداً، أمًّا تمسك بيدها طفلها الصغير وتشير له نحو الأرض، تروي له بصوت خافت حكاية الإمام الغائب عجّل الله فرجه الذي جلس هنا يوماً، فيتوقف الطفل عن المشاغبة والفرط في الحركة مستمعاً لحديث والدته، إذ إن عيناه معلقتان بأرض تبدو عادية تماماً، وقد باتت في خياله الصغير فجأة، مكان يستحق التوقف.

ويمر رجل مسن يتوكأ على عصا خشبية، يمس الجدار المجاور بيده مساً خفيفاً قبل أن يهمس بدعاء يخصه وحده، وكأن لمسة يده كافية وحدها لإيصال رسالته.

يروي أحمد جاسم أن "هذا الموقع تحديداً هو المكان الوحيد في رحلته الطويلة الذي يشعر فيه بحاجة صادقة للتوقف، لأنّ هذا المكان كفيل بأن يجعلني أشعر أن هنالك مخلص للأمة الإسلامية والعالم من الظلم".

يفكر أحمد ومجموعته بنفس الطريقة ويناقشون ذلك عند عبورهم هذه البقعة للمرة السادسة في حياتهم، ليخرجوا بنتيجة عقيدتهم، أن "قوة هذا المكان تكمن تحديداً في تواضعه، إمام غائب ترك حكاية يكفي سماعها لتروى من جديد، جيلاً بعد جيل، معتمدة على الرسالة الإنسانية".

desc-4df72c5c40ca96f6.jpeg

حكاية عريس لا يكبر


من منطقة الحسينية، يواصل أحمد ورفاقه طريقهم خارج حدود الكوت باتجاه قضاء النعمانية، على مسافة خمسة وأربعين كيلومتراً شمالاً، إذ شاهدوا قبل الجسر الفاصل بين ضفتيها، حكاية مختلفة تماماً عن بقية مشاهد الطريق.

ينصب الأهالي كل عام موكباً تمثيلياً يوزع فيه الماء والقهوة الحلوة، لمشهد كامل يُعاد تمثيله بدقة متوارثة، بحضور شاب واحد يحمل على كتفيه ثقل شخصية يقدسها العالم قبل أن يقتل رمزياً أمام مئات العيون.

إذ يقف حيدر جبار، ابن النعمانية البالغ تسعة عشر عاماً، مرتدياً ثوب العريس المطرز بخيوط ذهبية للمرة الثالثة على التوالي.

ويقول حيدر، "اختُرت لهذا الدور بعد أن أديت أدواراً أصغر في الموكب ذاته منذ أن كنت في الرابعة عشرة من عمري، أحمل الأعلام أولاً، ثم يمثل أحد الجند، حتى وصلت أخيراً إلى الدور الذي يحلم به كل فتيان المنطقة".

ويضيف، "يتم الاختيار بحسب الوجه والهيئة العامة وقد استوفيت الشروط لأمثّل دور القاسم بن الحسن عليه السلام في ليلة زفافه، قبل ساعات من مصرعه".

يصف حيدر شعوره وهو يرتدي هذا الثوب كل عام بأنه "مسؤولية كبيرة وحزن داخلي".

 يدرك حيدر تماماً أن المشهد الذي يبدأ بابتسامة عريس سينتهي بعد دقائق بسقوطه أرضاً وسط صيحات الحاضرين.

يتدرب حيدر مع فريقه على حركات الرجز والمعركة أسابيع قبل موسم الزيارة، يحفظ كلمات الارتجاز عن ظهر قلب، ويتدرب مع الفتيان الممثلين لجند الجيش الأموي على توقيت تصادم السيوف بدقة، إذ يبدو المشهد أمام الحشد متماسكاً محكماً.

حين يمر أحمد جاسم إسماعيل ورفاقه بهذا الموكب، يقفون عند طرف الحشد، يراقبون حيدر وهو يرتجز بصوت مرتفع أمام العائلات المتزاحمة، بعضهم يحمل أطفاله على أكتافه ليروا فوق رؤوس الجموع.

تتقدم بعدها مجموعة الفتيان الممثلين للمعركة، تتصادم سيوفهم بإيقاع متدرب، حتى تأتي اللحظة التي يسقط فيها حيدر أرضاً، مؤدياً مشهد المصرع بدقة يعرفها عن ظهر قلب بعد ثلاث سنوات من التكرار، بينما ترتفع صيحات "يا حسين" وتعلو نبرة البكاء بين النساء في الصفوف الخلفية، وكأن الحشد ينسى للحظة أنّ ما يراه تمثيل، ويستحضر بدله وقع الحدث الأصلي.

يعلق أمير نافع، وهو يشاهد حيدر يسقط، "أصعب ما في هذا الدور تحديداً يتجاوز حفظ الكلمات وإتقان حركة السقوط، ليصل إلى قدرة شاب في عمر حيدر على تمثيل هذا المشهد".

مبيناً، "يعرف حيدر مسبقاً كل تفصيل قادم فيه، ويحافظ رغم ذلك على أثره العاطفي الكامل في نفسه ونفوس من حوله، إنّها فعلاً مسؤولية كبيرة".

يقف أحمد القريشي صامتاً دقائق معدودة عند هذه اللحظة تحديداً، قبل أن يستأنف صوته بمرثية جديدة تلتقط المعنى نفسه من زاوية أخرى.

وحين ينتهي المشهد، ويقف حيدر منتصباً من جديد وسط تصفيق الحشد وابتسامات الأطفال الذين يقتربون منه للمصافحة، يخلع عن كتفيه ثقل الدور مؤقتاً، عائداً إلى حياته العادية كطالب في المرحلة الإعدادية، إلى أن يحين موعد الموسم القادم، حين يعيد ارتداء الثوب ذاته، ليصبح عريساً من جديد، لدقائق معدودة، قبل أن يسقط أرضاً مرة أخرى، أمام حشد جديد، يحمل أثر ما رآه لوقت طويل.

desc-6ee42479bdb62073.jpeg

حفاوة الاستقبال


بعد هذا المشهد، تصل المجموعة إلى قضاء النعمانية إذ يعبر أحمد ورفاقه نهر دجلة بواسطة عبارة.

ويستذكر أحمد، "قبل سبعة سنوات تقريباً كان الزوار يعبرون النهر بزوارق صغيرة، ولكنّ حادثة حصلت أدّت إلى تسرب الماء إلى الزورق وغرق إثرها نحو 5 أشخاص لذا استبدلت وزارة الدفاع العراقية الزوارق بعبارة يستخدمها الزوار لعبور النهر".

فيما يعلق أمير نافع عن المنظر الذي يشاهده في نهر دجلة، "عند ضفاف نهر دجلة تكثر أشجار الحمضيات وتكثر المواكب التي توزع الأسماك الطازجة إذ يوزع الصيادون صيدهم ليلتحقوا بركاب خدّام الإمام الحسين عليه السلام".

ثم في أطراف النعمانية وعند الساعة العاشرة مساءً يصلوا إلى بيت حسين خلف، خادم الحسين البالغ سبعة وثلاثين عاماً، الذي اعتاد على أن يستقبلهم كل عام، يقع بيته مباشرة على طريق المشاة، ضمن سلسلة بيوت متجاورة تفتح أبوابها كل عام لاستقبال الزائرين.

يعيش حسين خلف بدخل متوسط، ويستضيف مع ذلك زوار الإمام الحسين عليه السلام موسماً بعد موسم بالتزام ثابت.

إذ يقول حسين خلف، "منزلي ومالي كله في خدمة الزوار فالتجربة الروحية التي أعيشها عند خدمتهم تستحق أن أعطيها عمري كله".

حين يدخل أحمد وأصدقاؤه قاعة الاستقبال، تحيط بهم جدران ممتلئة بلافتات قرآنية معلقة بعناية، فيما يأخذ حسين ملابسهم المتربة من طول المسير، يغسلها ويعلقها لتجف قبل الصباح.

وعندما يحين وقت النوم، يطفئ حسين خلف الأنوار، تاركاً الزائرين يغرقون في راحة يستحقونها لينطلقوا من جديد، ويعيشون قصة جديدة من قصص درب الإمام الحسين عليه السلام.