image alt

مُسعفو زوّار الأربعين

مُسعفو زوّار الأربعين

تصرخ أم سجاد وسط زحام ملايين البشر، لأنّ فلذة قلبها الذي بلغ عامه الأول يختنق أمام عينيها، وأنفاسه تتلاشى ثانية بعد أخرى.

قدمت الأم من محافظة بابل، قبل أن تتحوّل قطعة حلوى صغيرة إلى أصعب اختبار في حياتها، يرى أحد سائقي العجلات الكهربائية الأم المستغيثة فيتحرك فوراً، ليحمل الطفل من ذراعي والدته، ويطبق عليه الإسعافات الأولية وهو يشق طريقه وسط ممر، أفسحه له منتسبو قسم بين الحرمين الشريفين التابع للعتبة العباسية المقدسة بين الحشود، نحو أقرب نقطة طوارئ، "مركز أم البنين عليها السلام".

هناك يستقبل محمد مهدي، مسؤول وحدة الطوارئ في المركز، الحالة الوافدة، إذ يتعامل مع مئات الحالات المشابهة بشكل يومي لذا لا تفارق الابتسامة وجهه.

مسيرته المهنية كممرض جامعي تمتد سبعاً وعشرين سنة، سبعٌ منها داخل رياض العتبة العباسية المقدسة، وهو اليوم في السابعة والأربعين من عمره.

يجري محمد عملية الإسعاف والعلاج لينقذ الطفل ويقدمه إلى أمّه سالماً معافى، وتصف أم سجاد لحظة نجاة ابنها، "حين شاهدتُه يختنق تجمّدت قدماي".

ما إن استقر تنفس الطفل من جديد، سالت أول دموع الفرح من والدته، وعلّقتْ، "رزقني الله بسجاد بعد خمس سنوات من الانتظار، وجئت لأداء زيارة الأربعين وأنا أحمله بين يدي، وظننت أن قطعة حلوى صغيرة ستحرمني منه إلى الأبد".

وتصف شعورها قبل إنقاذه، "عندما رأيته يختنق شعرت أن الدنيا كلّها أغلقت أبوابها في وجهي".

مُعلِّقةً، "كتب الله له عمراً جديداً على أيدي خدّام أبي الفضل العباس عليه السلام".

desc-9689c8619c9b8139.jpeg

ومركز أم البنين عليها السلام، ضمن ثلاث مراكز طوارئ دائمة لدى العتبة العباسية المقدسة، وهي مركز جعفر الحلي، ومركز الصديقة الطاهرة المخصص للزائرات.

وتندرج تلك المراكز ضمن خطة أوسع ترسمها رئيسة قسم الشؤون الطبية الدكتورة هيفاء التميمي التي قالت، "منذ السابع من شهر صفر، تعمل الفرق الطبية على مدار الساعة لتوفير خدمات الإسعاف الطارئ في صحن مرقد أبي الفضل عليه السلام، ومنطقة بين الحرمين الشريفين، بالتعاون مع المتطوعين ودوائر الصحة في المحافظات".

وتوضح حجم هذا التعاون، "عدد المتطوعين الذين شاركوا مع ملاكات القسم بلغ أكثر من 1150 متطوعاً، مُقسَّمِين على أكثر من 400 رجل و750 امرأة بين مُسعفٍ وطبيبٍ ومُمرض".

مبينة، "جرى توزيع الأفراد على جميع مفارز القسم المنتشرة داخل الصحن الشريف ومحيطه، ومواقع خارجية كمُجَمَّعَي الشيخ الكليني والعلقمي وجامعة العميد، إلى جانب خلية أزمة مكوّنة من أطباء وصيادلة وفريق طبي متكامل مُجهّز بالأدوية، تحسباً لأيّ طارئ".

ويتنقّل محمد بين أجهزة الصدمات الكهربائية والأسرّة التي يستلقي عليها المرضى، مُستخدمًا أدوات التنفس الاصطناعي وأجهزة الإنعاش القلبي الرئوي، وسط مركز يضمّ صيدلية أيضًا، وأجهزة تخطيط قلب، وصالة عمليات صغرى للجروح والحروق، وخدمات فحص سكر مستمرة.

desc-92d620e725ceb74e.jpeg

حالات استثنائية

على السرير المجاور لمحمد، يعمل زكي عبود كارم الكعبي، رئيس ممرضين فني أقدم، يحمل سبعة عشر عاماً من الخدمة منذ 2007، وهنالك قصة راسخة في ذهنه، شاب من البصرة في الثامنة والعشرين، تعرّض لصعقة كهربائية في أثناء عمله وأُعلنت وفاته، ونُقل داخل تابوت لزيارة مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، وفي أثناء التشييع لاحظ أحد حملة النعش حركة بسيطة في جسده، فأحضره فوراً إلى المركز ذاته.

استخدم زكي جهاز الصدمات الكهربائية، وعاد القلب إلى النبض، ويصف تلك الدقائق، "لو تأخر وصوله دقيقتين لاختنق داخل التابوت".

ويروي أيضاً كيف أنقذ، بمساعدة زميله ماهر مجيد جار الله، امرأة ستينية أُخرجت من الحرم شبه ميتة إثر جلطة قلبية، بعد نصف ساعة متواصلة من الضغطات الصدرية والتنفس الاصطناعي.

ويستند مركز أم البنين إلى كادر أساسي من أحد عشر منتسباً، يدعمهم اثنا عشر متطوعاً يتناوبون على قياس ضغط الدم والسكر، بينما يتولى الكادر الأساسي الحالات الحرجة، وتُحال الأكثر تعقيداً بعد تقييم سريع إلى مستشفى السفير أو مستشفى الإمام الحسين عليه السلام.

وفي محيطه، ينتشر مسعفون متطوعون مثل، ذو الفقار حسين، ابن الثالثة والعشرين، الحاصل على شهادة استجابة أولى، وحيدر جواد، الشاب القادم من نينوى، وصلته سيارة إسعاف تابعة للمركز في خمس دقائق فقط إثر كسر مفاجئ في قدمه، يصف تعامل الطاقم معه، "العتبة العباسية المقدسة تمثل مفاهيم الإسلام في تعاملها".

يعمل مركز أم البنين جنباً إلى جنب مع مركز الصديقة الطاهرة المُخصّص للنساء، ومركز جعفر الحلي، الذي افتُتح بالتزامن مع ذكرى ولادة الإمام الحسين عليه السلام، وتصفه التميمي، بأنّه "يضم صيدلية وردهتي طوارئ للرجال والنساء، وغرفتين للأطباء، وقسماً خاصاً لأطباء الأسنان، ومختبراً وغرفة للعمليات الصغرى، إلى جانب غرفة السونار والأشعة وجناح إداري".

وتؤكد، أنّه "أول مركز مجاني في المدينة يقدّم خدماته بتقنيّات طبية حديثة وطارئة، بالتنسيق مع دائرة العمليات الطبية المتخصصة في وزارة الصحة، ومديرية صحة كربلاء".

desc-e12e0b2ea259c269.jpeg