تمتد يد محمد رضا، لشراء بعض الاحتياجات إلى جيبه، فلا يجد شيئاً، يرتبك بين الحشود، يعود أدراجه مسرعاً، يفحص الأرض ووجوه المارّة، وقلبه يزداد اضطراباً مع كلّ خطوة فارغة، وسط ملايين الزوار من أكثر من مئة جنسية يتزاحمون في زيارة الأربعين محيط أبي الفضل عليه السلام.
يشغل محمد رضا، العراقي المُقيم في لندن جواز سفره وأوراقه الرسمية أكثر بكثير من ثلاثة آلاف دولار ومئة وخمسين ألف دينار عراقي كانت بداخل المحفظة، فهذه الأوراق وحدها كفيلة بتعقيد عودته إلى لندن.
في الجهة المقابلة من الشارع، يلمح أحد الزائرين المحفظة مُلقاةً على الأرض فينحني، ويلتقطها، ويتوجّه مباشرة نحو أحد خدّام أبي الفضل العباس، ويسلّمه إياها.
يحمل الخادم المحفظة متجهاً إلى صحن أبي الفضل العباس عليه السلام نحو شعبة المفقودات الكائنة عند باب الإمام الجواد عليه السلام، إذ يستقبله السيد علي محمد، مسؤول الشعبة، وسط جولته الصباحية المعتادة على سجلاته.
يفتح علي محمد سجل الوحدة المالية أمامه، يسجل نوع المحتوى ومكان العثور واسم من عثر عليها وتأريخ اللحظة بالدقيقة.
ويوضح مسؤول شعبة المفقودات التابعة إلى قسم استلام الهدايا والنذور في العتبة العباسية المقدسة السيد علي محمد، طبيعة عمل شعبته بجملة يرددها كثيراً، "تشتمل الشعبة على وحدتين، وهما وحدة الماليّة التي تحتفظ بالمبالغ المالية المفقودة وتسجيلها في سجلات خاصة، وإذا مرّت على عملية الاحتفاظ سنة كاملة، أو الحول الشرعي عليها، تُسلّم إلى الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة".
ثم يشير مسؤول الشعبة إلى صناديق آمنة خلفه تحوي ذهباً ومجوهرات، وأدراج أخرى تضمّ محابس وساعات ومسابح ونظارات، وركنٌ مخصص تُعرض فيه الهواتف المحمولة.
والوحدة العينية تعمل على الاحتفاظ بالمواد العينية المفقودة، ومنها المجوهرات والبطاقات التعريفية والهواتف النقالة وغيرها، وتسجيلها بسجلات خاصة لغرض أرشفتها وحفظها، لحين إرجاعها إلى أصحابها بعد التأكد من هوياتهم".

بينما يقيّد علي محمد تفاصيل المحفظة، يصل إلى الشعبة رجل بوجه شاحب، يسأل بصوت متعب إن كان أحد قد سلّم محفظة تحمل جواز سفر وأوراقاً رسمية.
يتحقّق علي محمد من الوصف، فيتطابق تماماً، ويسأله محمد رضا عن مكان الفقدان وزمانه وتفاصيله، على وفق الإجراء المعتاد، "طريقة تسليم المفقودات تتمّ عبر الاستفسار عن مكان وزمان وتفاصيل الفقدان، وبعد التأكّد من عائدية المفقودات إلى صاحبها، تُسلّم وفقاً لسجل معترف به، مع تدوين اسم صاحب المادة وتوقيعه على استلامها".
يوقّع محمد رضا في السجل، ويستلم محفظته كاملة، دون أن ينقص منها دولار واحد، فيقف صامتاً للحظة، ثم يقول: "جزاكم الله خيراً".
يعود علي محمد إلى سجلاته بعد رحيل محمد رضا، فيتحدث عن جانب من عمله يحمل الأهمية ذاتها، قائلًا، "ملاكات القسم تعمم صور الهويات التعريفية للأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد الحصول على موافقة إدارة العتبة العباسية بنشرها، من أجل تسهيل عملية التعرف على أصحابها وتسليمها إليهم".
ويشير إلى أنّ الشعبة تحتفظ بمجموعة من المستمسكات الرسمية منذ سنوات، محفوظة بأمان حتى يطلبها أصحابها، وإنّ أيام الزيارات في كل موسم وحده يشهد أعداداً كبيرة من المفقودات نتيجة الزخم الهائل للقادمين إلى ضريح أبي الفضل العباس عليه السلام، سُلِّم بعضها مباشرة كما حدث مع محمد رضا، فيما يعلن عن الباقي عبر المنافذ الإلكترونية المخصصة لمفقودات الزائرين.
وحين يغلق علي محمد سجلاته في نهاية يومه، يدرك أنّ كل اسم دونه اليوم، وكل قطعة ذهب رسمها موظفوه في سجل خاص، وكل هاتف تركوه معروضاً بانتظار صاحبه، جزء من منظومة صامتة تعمل وسط أعظم تجمع بشري يشهده العالم كل عام، لتضمن أنّ ما يسقط من يد زائر واحد وسط الملايين، يجد طريقه في النهاية إلى صاحبه بالذات.
