حين تنضج الثمرة، يبدأ موسم الحصاد، ولكنّ الحكاية في مزارع العتبة العباسية المقدسة لا تبدأ من لحظة قطف الثمرة، بل من سنوات سبقتها، حين بدأت الأرض تستعيد خضرتها، والنخلة تستعيد مكانها في المشهد الزراعي، والصحراء تتحوّل تدريجيًا من مساحات قاحلة إلى واحات خضراء ومشاريع إنتاجية.
وفي كربلاء، حيث اشتدت الحاجة إلى مواجهة الجفاف والتصحّر، لم تكن زراعة النخيل مجرد نشاط زراعي عابر، بل جاءت ضمن رؤية أوسع لاستصلاح الأراضي واستثمارها وتحويلها إلى مساحات مُنتِجة، وهي رؤيةٌ حَضَرَت في خطب منبر الجمعة للسيد أحمد الصافي، لتتحوّل مع الوقت من خطاب يحثّ على الاهتمام بالأرض والزراعة إلى مشاريع زراعية أخذت طريقها إلى الواقع.
ومع اشتداد حرارة الصيف، تبدأ في مزارع العتبة العباسية المقدسة حكاية أخرى؛ حكاية لا تُروى هذه المرة عن غرس النخيل أو مقاومة الصحراء، بل عن اللحظة التي ينتظرها المزارعون طوال عام كامل جني محاصيل التمور.
تتدلّى عثوق التمر من أعالي النخيل، وقد اكتست ألوانها التي تعلن اكتمال موسمها، فيما تتحول المزرعة إلى خلية عمل متواصلة؛ أيدٍ تصعد إلى النخيل، وأخرى تستقبل العثوق، وثالثة تتولى فرزها وترتيبها، في مشهد تختلط فيه رائحة التمر بشغف العاملين الذين يحصدون ثمرة أشهر طويلة من العناية.
هنا، لا يمثل جني التمور نهاية موسم زراعي فحسب، بل هو حصاد لرؤية زراعية بدأت قبل سنوات، عندما اتجهت العتبة العباسية المقدسة إلى استصلاح الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى مساحات منتجة، وفي مقدمتها مزارع الساقي للتمور الممتدة على مساحة تبلغ 10,250 دونماً، والتي تضمّ أصنافاً من النخيل العراقي النادر.

من الفسيلة إلى العثك
قبل أن تصل الثمرة إلى يد الجاني، تكون قد قطعت رحلة طويلة؛ تبدأ من الفسيلة التي تحتاج إلى بيئة مناسبة، ومياه محسوبة، ومتابعة مستمرة، وتنتهي بعثك ممتلئ بالثمر ينتظر موعد القطف.
فالتمرة التي تُقطف اليوم ليست وليدة أيام، وإنما نتيجة موسم كامل من العمل؛ من تهيئة الأرض والعناية بالنخلة ومراقبة نموها، وصولاً إلى تحديد الوقت الأنسب لجني المحصول.
ومع حلول الموسم، يتحوّل العاملون في المزرعة إلى جنود للحصاد، يلاحقون العثوك الناضجة نخلة بعد أخرى، فلا تُترك ثمرة في مكانها بعد أن تبلغ مرحلة الجني المناسبة.
إنها رحلة تبدأ من الأرض، ثم الفسيلة، فالنخلة، فالعذق، وصولاً إلى التمرة التي تصبح في نهاية المطاف شاهداً على موسم كامل من العمل.

النخلة.. ذاكرة الأرض
في العراق، لا تبدو النخلة مجرد شجرة تحمل ثمراً، بل جزءاً من ذاكرة الأرض وهوية الزراعة العراقية، ولذلك فإنّ المحافظة عليها وإنتاج أصنافها لا تنفصل عن مشروع أوسع تتبناه العتبة العباسية المقدسة في استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج الزراعي.
وقد أسهمت مشاريعها الزراعية في استصلاح آلاف الدونمات وزراعة محاصيل مختلفة، إلى جانب غرس آلاف النخيل من الأصناف العراقية النادرة، لتصبح تلك المساحات الصحراوية واحات إنتاجية في قلب الهضبة الغربية.
ومن هنا تبدو قصة التمر أكبر من موسم حصاد؛ فهي قصة أرض جرى استثمارها، ونخيل جرى الاعتناء به، وماء أُدير بعناية، وأيدٍ واصلت العمل حتى وصلت الثمرة إلى مرحلة النضج.

حين يتحول الكلام إلى خضرة
كان منبر الجمعة حاضراً في الحديث عن الأرض والزراعة والحاجة إلى استثمارها، ولم يَبقَ الحديث عن مواجهة التصحر في إطار الكلمات، بل ارتبط برؤية تدفع باتجاه العمل على الأرض، حتى بدأت المساحات الخضراء تشق طريقها في مناطق كانت تواجه تحديات الجفاف والتصحر.
وهكذا أخذت مشاريع الحزام الأخضر مكانها في هذه الحكاية، بوصفها واحدة من صور استثمار الأرض وزراعة الأشجار والحفاظ عليها، فيما واصلت مشاريع العتبة العباسية المقدسة الزراعية العمل على توسيع المساحات المزروعة واستثمارها بصورة فاعلة.
وفي قلب هذه المساحات، تقف آلاف النخيل التي لا تؤدّي وظيفة بيئية فحسب، بل تنتج ثماراً تحمل أسماء أصناف عراقية متعددة، وتدخل في دورة إنتاجية تبدأ من الزراعة ولا تنتهي عند الحصاد.
موسمٌ لا يعرف التوقف
ومع استمرار الجني، لا تنتهي المهمة عند قطع العثك من النخلة؛ فالمحصول يحتاج إلى الجمع والنقل والفرز والعناية، لتصل الثمرة في أفضل حالاتها.
وهكذا تتكامل حلقات العمل داخل المزرعة؛ من الأرض إلى النخلة، ومن النخلة إلى العذق، ومن العذق إلى التمرة، في دورة زراعية تعكس حجم الجهد الذي يُبذل خلف كل محصول يصل إلى المستهلك.
وفي هذا الموسم، باشرت مجموعة مشاتل الكفيل التابعة للعتبة العباسية المقدسة جني محصول التمور من بساتينها بأصنافه المحلية المتنوعة.
يقول معاون مسؤول المجموعة، السيد علي حمزة سالم، إنّ "ملاكات المجموعة باشرت حملة جني محصول التمور من بساتينها الزراعية".
ويضيف، "المحصول يضمّ عددًا من الأصناف العراقية، منها المطوك، والمكتوم، والبربن وغيرها". مشيراً إلى، أنّ "حملة الجني متواصلة لحين انتهاء الموسم".
ولا تتوقف حركة الحصاد عند هذه البساتين، إذ يواصل قسم الحزام الأخضر الجنوبي الأول التابع للعتبة العباسية المقدسة جني محصول التمور من أصناف الخستاوي والسكري والحمراوي.
ويقول مسؤول شعبة الزراعة في القسم، السيد سجاد حسين عبد علي، إنّ "ملاكات وحدة المغروسات وحصادها تواصل حملة جني محصول التمور ضمن المساحات الزراعية التابعة للحزام الأخضر الجنوبي الأول".
ويضيف، "كمية المحصول تجاوزت طناً واحداً من أصناف الخستاوي والسكري والحمراوي".
ولفت إلى، أنّ "الحزام الأخضر يضمّ نحو سبعة آلاف نخلة، بينها أكثر من ستة آلاف نخلة مثمرة، وجميعها من الأصناف العراقية".
موضحًا، "عملية جني التمور تأتي ضمن جهود دعم الأمن الغذائي والحفاظ على أشجار النخيل واستدامتها للمواسم المقبلة، فضلاً عن تعزيز إنتاجية مشاريع الحزام الأخضر واستدامتها".

من الحزام الأخضر إلى سلال التمر
وفي الحزام الأخضر الجنوبي الثاني، بدأت هي الأخرى أعمال جني محصول التمور من البساتين بعد وصول الثمار إلى مراحل النضج المناسبة.
يقول مسؤول شعبة الزراعة في القسم، السيد بهاء علي، إنّ "أعمال جني التمور بدأت بعد وصول الثمار إلى مراحل النضج المناسبة، وتشمل عدداً من الأصناف المزروعة في بساتين الحزام الأخضر، مع اعتماد أساليب مناسبة في الجني والفرز والحفظ للحفاظ على جودة المحصول".
ويضيف، "إنتاج التمور يأتي ضمن خطة القسم للاستفادة من المساحات الزراعية واستثمارها بصورة فاعلة، فضلاً عن رفد السوق المحلي بالمنتجات الزراعية، ودعم زراعة النخيل والإنتاج المحلي".
ويشير علي إلى، أنّ "تنوع أصناف التمور المنتجة يسهم في تلبية احتياجات السوق، ويعزز من قيمة المنتج الزراعي، إلى جانب استمرار العناية ببساتين النخيل وتطويرها بما يحقق إنتاجاً مستداماً".
الصحراء التي تغيّر وجهها
إنها صورة مختلفة للصحراء؛ فالمكان الذي كان يمكن أن يكون أرضاً جافة لا حياة فيها، أصبح مساحة تتعالى فيها النخيل، وتُقطف من أعاليها ثمار موسم كامل.
فمواجهة التصحر لا تختصرها شجرة واحدة، ولا مشروع واحد، وإنما هي سلسلة من الأعمال تبدأ باستصلاح الأرض، وتمتد إلى زراعتها وريّها والعناية بها، ثم الحفاظ على إنتاجها واستدامته.
وفي هذه الصورة تتقاطع البيئة مع الزراعة، ويتحول الحزام الأخضر من مجرد مساحة مزروعة إلى حاجز أخضر في مواجهة تمدد الصحراء، ومصدر للإنتاج، ومكان يستعيد فيه النخيل العراقي حضوره.
وبينما كانت الأرض تبحث عن الماء، كان منبر الجمعة يذكّر بأهميتها، وبينما كانت الصحراء تتقدم، كانت المشاريع الزراعية تحاول أن تدفع بالخضرة إلى الأمام.
في نهاية المطاف، يقف جاني التمور أمام ما جمعته يداه، فيرى في العثوك المُكدّسة شيئاً أكبر من محصول زراعي؛ يرى نتيجة عمل بدأ قبل أشهر، وربما سنوات، ويرى في كل ثمرة دليلاً على أن الأرض يمكن أن تمنح حين تجد من يزرعها ويحسن رعايتها.
إنها لحظة يلتقي فيها تعب الإنسان بعطاء الأرض؛ العامل الذي صعد إلى رأس النخلة، والنخلة التي حملت ثمرها، والمزرعة التي احتضنتها، والمشروع الذي جعل من الأرض مساحة منتجة.
وهكذا يصبح جني التمور في مزارع العتبة العباسية المقدسة قصة تبدأ من الصحراء وتنتهي في سلال التمر؛ قصة عامل يصعد إلى رأس النخلة ليهبط منها محمّلاً بثمرة تعب موسم كامل، وقصة أرضٍ كانت قاحلة، فأصبحت تعطي.
