امتلأ جامع الهندي في النجف الأشرف بالعلماء ورؤساء العشائر، في خريف عام 1914، وكانت الأنظار كلّها تتجه نحو الكوفة، حيث يقيم المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره.
كانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب العالمية الأولى قبل أيام، وكان الجيش البريطاني يزحف على البصرة، وجاء من بغداد وفد عثماني يطلب نصرة المرجع الأعلى، باسم حكومةٍ سبق وأن هددته بالنفي.
والمرجع الديني عند المسلمين الشيعة هو "المجتهد" الذي يرجع إليه المؤمنون في أحكامهم الشرعية والعقدية، وتمضي فتواه في مقلديه حيثما كانوا.
يروي الدكتور الباحث أحمد فاضل عجيمي، الذي أمضى سنتين ونصف يتتّبع وثائق تلك المرحلة، "إن الاتحاديين الذين كانوا يحكمون الدولة العثمانية آنذاك، سبق لهم أن هددوه بالنفي وأثاروا سخطه".
وبحسب عجيمي، ضمّ الوفد محمد فاضل باشا الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار وخطب في الاجتماع السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجواهري.
بعدها قام مبدر آل فرعون، رئيس عشائر آل فتلة، فقال، إن "الأتراك إخواننا في الدين، وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا".
غير أن الكلمة الفاصلة بقيت عند المرجع الأعلى في الكوفة.
ووثق الدكتور عجيمي الذي يشغل مسؤولية وحدة الدراسات في مركز تراث الجنوب التابع الى قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية هذه الوقائع في كتابه "دور الجنوب في حركة الجهاد 1914 - 1919م".
وصدر الكتاب عن مركز تراث الجنوب، أحد تشكيلات القسم التابع العتبة العباسية المقدسة.

الرجل في الكوفة
ولد اليزدي، في قرية كسنو، إحدى قرى مدينة يزد الإيرانية، عام 1831، ودرس في يزد ومشهد وأصفهان على أيدي كبار العلماء، ثم هاجر إلى النجف الأشرف عام 1864.
وبعد وفاة الآخوند الخراساني المرجع الأعلى آن ذاك عام 1911 استقل بالمرجعية، "وعم تقليده البلدان الإسلامية"، كما يقول عجيمي وله مؤلفات كثيرة، أشهرها "العروة الوثقى".
ويبيّن عجيمي، "للمرجع مواقف سابقة في الدفاع عن بلاد المسلمين، منها "إصداره فتوى الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي لليبيا، وفتوى للجهاد ضد الاستعمار البريطاني لجنوب إيران".
وفي خريف 1914 كان قد تجاوز الثالثة والثمانين حمل الشيخ حميد الكليدار أمر الجهاد من جامع الهندي إلى الكوفة، ودخل عليه.
ويقول عجيمي، "استطاع أن يقنعه بوجوب نسيان عدائه للاتحاديين بالنظر إلى أن البلاد الإسلامية مهددة بخطر غزو الكفار لهم، فوافق السيد اليزدي".
وفي أوائل تشرين الثاني 1914 صدرت الفتوى وجاء فيها تحذير من أن "يوشك أن تمتد يد التعدي الطويلة إلى الحرمين الشريفين ومشاهد الأئمة الأطهار عليهم السلام"، ودعوة صريحة، "يجب على العشائر التي تقطن الثغور وعامة المسلمين المتمكنين ... أن يحفظوا حدودهم، ويدافعوا عن بيضة الإسلام حسب قدرتهم".
ويوضح عجيمي، أن المرجع "أمر المراجع في النجف بالعمل على نشر دعوة الجهاد وتهيئة العشائر للقتال".
كانت الفتوى تطلب من الناس أن يحملوا السلاح ويقدموا أبناءهم وبقي أن يقرر المرجع من يرسل من بيته.
أعز ما عندي
جاء الجواب في برقية إلى عامة المسلمين، "والآن بعثت ولدي السيد محمد ليعلن للمسلمين وهو ثقتنا".
ثم كتب المرجع إلى والي بغداد رسالة يخبره فيها بما فعل، "قد قدمت إليكم أعز ما عندي، وأنفس ما لدي، ولدي وفلذة كبدي السيد محمد، آثرتكم به مع مسيس حاجتي له، وشدة عوزي إليه".
ويصف ابنه في الرسالة نفسها، "قد بلغ من مراتب الجد والاجتهاد، وسوامي منازل العلم والفضيلة".
ثم يروي كيف تلقى المهمة، "ولما استنهضته للقيام بأعباء هذه المهمة، والسعي على المساعدة في دفع هذه الملمة، تلقاها برحيب صدره، وثابت قلب، وركين حلم، فأرسلته إليكم داعياً إلى الله ورسوله".
وتذكر كتب التراجم أن السيد محمد هو الوحيد الذي بقي بعد أبيه من أبنائه الذكور، إذ مات أكثر إخوته في حياة أبيهم.

على النهر
حين تجمع المجاهدون في النجف استعداداً للمسير نحو البصرة، أعلن المرجع مباركته لزحفهم، كما يروي عجيمي.
وسار ابنه السيد محمد عن طريق النهر، ممثلاً لأبيه بين المجاهدين، ومعه عدد كبير من رجال الدين وشيوخ العشائر.
وكان بينهم الميرزا مهدي الخراساني، نجل المرجع الآخوند الخراساني قُدّس سرّه، والميرزا محمد رضا الشيرازي، نجل المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي قُدّس سرّه.
وبقي الأب في النجف.
وحين طلب منه والي بغداد الاهتمام بمقاومة الإنكليز، أجابه، "حيث إن أوقاتنا مصروفة فيما يجب علينا من حث العشائر وبعثهم لحفظ ثغور الإسلام، كان الأصلح بقاؤنا في النجف الأشرف، والأمل أن يكون في ولدنا وفي ساير العلماء ما فيه الكفاية".
ومن النجف كانت برقياته تخرج إلى العشائر ويوثق عجيمي في كتابه برقية أرسلها المرجع إلى رؤساء قبائل العمارة، بيد أحد المقربين إليها، في الثاني عشر من كانون الأول 1914.
وبعد أكثر من قرن، عاد عجيمي إلى طريق الابن.
ويقول، "الكتاب استغرق تقريباً سنتين ونصفًا، تخللها زيارة العديد من المناطق التي عاشت أحداث تلك الفترة، وتتبعت فيها الطرق الخاصة بحركة المجاهدين النهرية والبرية".
مضيفاً، "العمل استنطق المعارك والأحداث عبر الخرائط الجغرافية لمناطق الأحداث، فحول الوثيقة الصامتة إلى صورة حية نشاهد فيها سير الأحداث بدقة، ونتابعها بوضوح".
واعتمد، عجيمي على "مجموعة كبيرة من الوثائق المنشورة وغير المنشورة، التي تم الحصول عليها من المصادر والمراجع والمكتبات الشخصية والمراكز البحثية".
وفي مقدمتها كتاب "وثائق الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها 1914 - 1923"، الذي أعدّه كامل سلمان الجبوري في خمسة أجزاء، وأفاد الدراسة جزؤه الأول بما ضمه من فتاوى الجهاد والرسائل التي وجهها رجال الدين إلى العشائر.
وفي مدينة سوق الشيوخ، فتحت أسرة آل حيدر مكتبتها الشخصية لعجيمي.
معلقا، "رفدنا بفتاوى آل حيدر ووثائقهم عن تلك المدة إلى جانب مخطوطات غير منشورة للشيخ جميل حيدر عن تاريخ أسرته ومدينته".
ويقول عجيمي، "دراسته جاءت لتسهم في إضاءة مشهد ما قبل الثورة من مهدها، وجغرافيتها الحقيقية، وفواعلها المباشرة، والتي طالما هُمّش دورها".
ويصفها مدير مركز تراث الجنوب حسين الشرهاني بأنها "دراسة وثائقية استندت على وثائق أصيلة ومعاصرة".
على خطى المرجع
وعلى خطى المرجع، خرج علماء آخرون بأبنائهم، فمن الكاظمية خرج موكب كبير، يتقدمه المرجع السيد مهدي الحيدري قدس سره.
ويقول عجيمي، "خرج ومعه أولاده وعشرة من أسرته بينهم ابن عمه السيد عبد الحسين، الذي استشهد في الحرب وكان الحيدري في الثمانين".
ويصف عجيمي وداع المدينة له، "وقد شيعته الكاظمية وضواحيها بأسرها، حتى كانت جماهير المودعين تمتد على مد البصر".
ومن سوق الشيوخ التحق الشيخ باقر حيدر، زعيم قبيلة الأجود، ومعه أبناؤه الثلاثة الشيخ جعفر والشيخ صادق والشيخ محمد حسن وكان قد تجاوز الرابعة والسبعين.
ويؤكد الشرهاني، أن "الوثائق أثبتت أن كبار المراجع وجهوا برقياتهم المباشرة للشيخ باقر حيدر، مكلفين إياه بقيادة الحراك الجماهيري".
ومن النجف خرج الشاعر والفقيه السيد محمد سعيد الحبوبي عصر الخامس عشر من تشرين الثاني 1914، وقد تقلد سيفه، والطبول تقرع أمامه كما يروي عجيمي.
وإلى جانبه شاب في السادسة والعشرين، هو السيد محسن الحكيم، الذي سيصبح بعد عقود مرجعاً للشيعة.
ويلفت عجيمي إلى أنّ "السيد محسن الحكيم المستشار والمنفذ وهو الذي يدون الرسائل للحبوبي".
وكانت الطرق كلها تقود إلى البصرة.
الشعيبة
قرر القائد العثماني سليمان عسكري بيك مهاجمة البصرة من الناصرية لاستعادتها، فتوزع المجاهدون، كما يوثق عجيمي، على ثلاث جبهات.
ومحافظة ذيقار (الناصرية) تقع جنوبي العراق ملاصقة على الجانب الشمالي لمحافظة البصرة.
وقف ابن المرجع، السيد محمد اليزدي، في الحويزة، والسيد مهدي الحيدري في القرنة، والحبوبي وباقر حيدر والحكيم في منطقة الشعيبة.
وتقع الشعيبة في جنوبي غربي محافظة البصرة وهي منطقة صحراوية مكشوفة آنذاك.
واستجابت لفتوى اليزدي عشائر الجنوب والوسط، والتحقت بالمجاهدين قوافل من الأكراد بقيادة الشيخ محمود الحفيد، قُدرت بنحو 600 فارس.
وفي الشعيبة جرت المواجهة الحاسمة بين الثاني عشر والرابع عشر من نيسان 1915 وتذكر المصادر التاريخية أن البريطانيين صمدوا حتى وصلتهم الإمدادات من الهند، فانسحبت القوات العثمانية، وانتحر قائدها سليمان عسكري.
وفي الثاني من شعبان 1333 للهجرة، توفي السيد الحبوبي في الناصرية، متأثراً بجروحه
وفي العام نفسه توفي الشيخ باقر حيدر.
وبقي المرجع في النجف أربع سنوات أخرى.
وفي الثامن والعشرين من رجب 1337 للهجرة، الموافق لعام 1919، توفي السيد محمد كاظم اليزدي في النجف الأشرف وتوفي ابنه السيد محمد بعده.
ويرى عجيمي، أن "الحركة التي أطلقتها فتوى اليزدي كانت البذرة الأولى لحدث أكبر".
مشيراً، "معظم القيادات الدينية والعشائرية في حركة الجهاد، هي ذاتها أبرز قيادات ثورة العشرين، وكذلك القوة الفاعلة فيها، وضمن المناطق نفسها".
الجدوى العلمية
من جانبها تولت شعبة النشاطات والتنسيق في قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية نشر الكتاب في معظم جامعات العراق.
ويروي مسؤولها علاء حمد مطر، أن "الكتاب أُوصِل إلى معظم الجامعات، من جامعة زاخو أقصى شمال العراق ودهوك في الشمال إلى البصرة أقصى جنوب العراق".
مضيفا، "الأساتذة والمختصين أثنوا على الكتاب لتعدد مصادره، خصوصا إنه يحتوي على 173 وثيقة تاريخية، وأربعة فصول مكوّنة من 696 صفحة".