image alt

تكريمٌ تحت ظلال الكفيل

تكريمٌ تحت ظلال الكفيل

تجلس بنين جابر في غرفتها الصغيرة، تفكر في حلمها الكبير الذي راودها طويلًا وتنتظر تحقيقه، تتمنى أن تكون جزءًا من الحفل المركزي لبنات الكفيل.

يعكس هذا الحفل دعم العتبة العباسية المقدسة للطالبة العراقية والعربية، ويمنحها فرصة للظهور في مناسبة مهمة بين آلاف الطالبات المتفوقات. كل الخريجات يتمنين لو يُدعِينَ للحفل ويُكَرَّمنَ بالمشاركة فيه.

خاصةً وأنَّ الحفلَ اُستُحدِثَ منذ نحو ثمانية أعوام بهدف إبراز المرأة كعنصر فاعل وأساسي في المجتمع، بما تحمله من قيم وأخلاق والتزام ديني.

في تلك اللحظات، تترقب بنين بشغف نشر رابط استمارة التقديم الذي عادة ما تنشره العتبة على شبكة الكفيل والمواقع الإلكترونية الخاصة بها في وقت محدد من كل عام لاستقبال طلبات الخريجات الراغبات بالمشاركة بالحفل المركزي الذي تقيمه.

لم يكن الطريق إلى هذا الحلم سهلاً بالنسبة لها، وهو تحدٍّ يضاف إلى جملة التحديات التي اعترضت حياتها، فقد واجهت بنين صعوبات في حياتها الدراسية، وتحملت أيضًا مسؤوليات عائلية كبيرة، حيث كانت أكبر إخوتها واعتادت على التوفيق بين الدراسة ورعايتهم.

ومع كل تلك التحديات، كانت تُدرك أن أملها في المشاركة في الحفل لا يعتمد فقط على نجاحها الأكاديمي، بل على توفيق إلهي وعناية حانية من السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

علاقتها بالسيدة الزهراء (ع) متينة، فهي مثالها في الطهر والصبر والإيمان. عندما جاء اليوم المنتظر، ونُشِرَ رابط الاستمارة، لم تتردد بنين لحظةً!

بسرعة ملأت الاستمارة، وتخيلت نفسها في الحفل، تتلقى التكريم كما غيرها من الطالبات الناجحات، وتحتفل بإنجازها العلمي أمام أعين أسرتها وأصدقائها.

"لحظة غير قابلة للتصديق، ففي كل مرة أفتح الرابط، أشعر أنني أقترب من تحقيق حلمي"، قالت بنين بتفاؤل غامر.

بعد أيام، وفي صباح يوم مشرق، دخلت والدتها إلى غرفتها وهي تحمل خبرًا طالما انتظرته بنين: "لقد اتصلت بنا سيدة من العتبة العباسية المقدسة ودعتك للاستعداد لحضور حفل التخرج المركزي"، قالت والدتها.

لم تصدق بنين في البداية: "إنكِ تمزحين!"، قالت لوالدتها. لكن الفرح غمر قلبها بمجرد أن تأكد لها أن والدتها لا تمزح. شعرت وكأنها تعيش في حلم لا تريد الاستيقاظ منه.

وفي الحفل الذي أُقيم في شباط 2025، وجدت بنين نفسها وسط أجواء روحية مليئة بالبركة، كان كل شيء يبدو مختلفًا من حولها: الناس، الأضواء، الجدران، كأنها ترى محيطها لأول مرة!

آلاف الطالبات بزيٍّ خاصٍّ ينقلنَ خطواتهنَّ بثبات وثقة، وسط ترحيب واهتمام من القائمين على إحياء وتنظيم حفل التخرج المركزي.

شعار الحفل "من نور فاطمة عليها السلام نضيء العالم" يبعث على التفاؤل ويعزز الشعور بالأمل، والمكان الروحاني المهيب بين العتبتين المقدستين، والحضور الديني والأكاديمي المرموق يضفي على الحفل روحًا من القداسة والاحترام، حيث الرحاب الطاهرة لأبي الفضل العباس عليه السلام.

شعرت بنين بسلام داخلي عميق، فهي الآن من بين الطالبات المُكَرَّمات اللواتي وُصِفنَ بأنهنَّ "بنات الكفيل" أو "بنات المرجعية"، ما أجمل هذه الألقاب وأبهاها! فهي تنطوي على محبة عميقة واهتمام غير محدود من المرجعية الدينية العليا بالطالبات والمرأة بشكل عام.

وسط هذه المشاعر الغامرة، انسلت الذكريات إلى مخيلة بنين: لم يكن نجاحها سهلاً، كانت حياتها مليئة بالتحديات، ليس فقط الدراسية، بل أيضًا تحديات فرضتها ظروفها الشخصية.

كانت تشعر بالإرهاق بسبب المسؤوليات العائلية التي كانت تُضاف إلى عاتقها، لكنها لم تتوقف عن السعي والإصرار والمحاولة، مستلهمة القوة والصبر من السيدة زينب عليها السلام.

ولكنها لم تجعل نفسها أسيرة الذكريات، فالماضي ذهب بكل ما فيه ولن يعود، إنها الآن تتطلع للمستقبل، فبعد أن أكملت دراستها الأولية في القانون، تطمح لإكمال المشوار الدراسي، وتكون نصيرة لقيم العدل والإنصاف، وتدافع عن المظلومين.

تقول بنين موجهةً كلامها إلى الطالبات ممن يواصلنَ دراستهنَّ في المراحل قبل الجامعية: "ركزن على دراستكن ولا تلتفتن إلى الملهيات، فالعلم هو مفتاح النجاح في الحياة".

في الحفل نفسه، ألقت السيدة تهاني صاحب من دولة الكويت كلمة عن دور المرأة في المجتمع، قائلةً: "إن تكريم العتبة العباسية المقدسة للطالبات ليس مجرد احتفاء علمي، بل هو دعوة لتمكين المرأة من تحقيق مكانتها كمسلمة ملتزمة في المجتمع". هذه الكلمات لامست قلب بنين وجعلتها تشعر بأن جهودها لم تذهب سدى.

شعرت بنين بموجة من العاطفة تكتسحها، كان حديث السيدة تهاني يعكس قيمتها العميقة في الحياة ورسالتها الموجهة نحو تعزيز دور المرأة المسلمة.

وبينما تهاني تتحدث عن دور المرأة المؤمنة في بناء المجتمع، كانت كلماتها تتردد في ذهن بنين، فتذكرت مجددًا رحلتها الماضية بين مقاعد الدراسة والتزامات العائلة. لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا حين شعرت فيها بحرص العتبة العباسية المقدسة على تقديم الخريجات المشاركات في الحفل وكأنهنَّ ملكات يحملنَ تيجانًا.

وبين أضواء التكريم وهمسات الدعاء، ودموع الفرح للآباء والأمهات، وقفت بنين جابِر تُدرك أن رحلة التحدي كانت تستحق كل عناء مرت به، فالإصرار الذي غذَّته من إيمانها بالسيدة الزهراء عليها السلام حوَّل أحلامها إلى واقع ملموس.