ينقّب الباحث إبراهيم الشريفي في أمهات الكتب للوصول إلى الحقيقة الكاملة لشهادة السيد محمد الطباطبائي، ذلك المرجع الذي كُتب لسيرته الخلود في قلوب المؤمنين جيلا بعد جيل، وحقبة بعد حقبة، ساعيا الى إعادة إبراز المواقف البطولية لمراجع المسلمين الشيعة التي سطرت أوسمة على صدر التاريخ الإنساني.
فالسيد الشريفي استعان في قسم المعارف الإسلامية التابع للعتبة العباسية المقدسة، يتبع في نشاطه سياق الأعمال التي يتولاها القسم منذ تأسيسه عام 2016، والذي يركز على البحث والتوثيق في القضايا الإسلامية بشكل عام والتراث الشيعي بشكل خاص.
ويعنى قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية بإحياء التراث الإسلامي تحقيقا وتأليفًا وفهرسةً وإعلامًا، ويضم عددًا من المراكز التراثية، وهي: (مركز تراث كربلاء، ومركز تراث الحلة، ومركز تراث البصرة، ومركز تراث الجنوب، ومركز التراث الإسلامي في مدينة مشهد المقدسة).
وقد أصدرَ القسم حتى الآن العشرات من الإصدارات العلمية الهامة، التي تميزتْ في رفوف المكتبات الإسلامية، وأسهمت في إحياء كمٍّ هائلٍ من تراثنا الإسلامي بطريقةٍ مهنية وعلمية.
أما السيد الشريفي فقد انبرى لدراسة سيرة شخصية آية الله العظمى السيد محمد الطباطبائي (قُدس سره)، لما له من مواقف جليلة في نصرة الإسلام والمسلمين.
مبينا، "أكرّس جهدي لبحث شامل اعتمادًا على أوثق المصادر وأقدمها، وعلى المصنّفات التي عاصرت الفتوى والحرب".
ويضيف، "هذه الشخصية ينبغي أنّ تُخصّص لها دراسات مستقلّة، تفتقدها المكتبة الإسلاميّة حاليا".
ويقول، "السيد المجاهد هو محمّد الحائريّ الطباطبائيّ ابن السيّد عليّ (صاحب الرياض)، وُلد في كربلاء المقدّسة في سنة (1180هـ) تقريبًا، وقد نشأ في أحضان أسرةٍ علميةٍ غنيةٍ عن التعريف.
موضحًا، "أكمل السيد المجاهد تحصيله العلمي في حوزة كربلاء المقدسة التي كانت محطَّ أنظار أهل العلم حيث وجود رؤساء المذهب هناك كجدّه لأُمّه الشيخ الوحيد البهبهاني (ت1205هـ) وغيره".
مشيرا، "بعد وفاة والده (صاحب الرياض) تزعّم السيد الحوزة العلميّة في كربلاء المقدسة، وتسلّم مهام المرجعيّة الدينيّة، وصار رئيس الدين والدنيا، خلفًا لوالده، وقد انتهت اليه الزعامة الدينيّة في عـصره".
ويستدرك السيد الشريفي، "تُعدّ فتوى الجهاد التي أطلقها السيّد الطباطبائي أبرز حدثٍ تاريخيٍّ في حياته الشـريفة، ومنعطفًا تاريخيًّا بارزًا في سيرته، بل في تاريخ الشيعة".
ويزخر التاريخ الإسلامي الشيعي الحديث بالعديد من الشخصيات العلمية والقيادية التي ذادت عن المسلمين عبر الإفتاء بالجهاد في مواجهة الأخطار التي تهدد الأمة، مثل آية الله العظمى السيد محمد تقي الشيرازي (قدس سره) الذي أفتى بثورة العشرين، وآية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) الذي أفتى بالجهاد الكفائي لمواجهة التنظيمات الإرهابية في العراق.
ولُقب السيد الطباطبائي بالمجاهد عقب إصداره فتوى الجهاد لمحاربة الروس، حين اعتدت روسيا على إيران في زمن فتح علي شاه القاجاريّ سلطان إيران آنذاك، وكان ذلك في سنة (1826-1828م).
أسباب الفتوى
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأسباب التي دعت السيد المجاهد الى إطلاق فتوى جهاد الروس تعود إلى نقضهم العهد مع الدولة القاجارية التي كانت تحكم إيران في تلك الفترة، قبل غزوهم لمناطق المسلمين وتعاملهم الوحشي مع سكان تلك المناطق قتلًا وتنكيلًا وتجاوزًا على الأعراض، وعملهم على تغيير دين الناس بأمرهم بإرسال أولاد المسلمين إلى المعلّمين الروس لتعليمهم دينهم، فضلًا عن هدمهم للمساجد، مما دعا السكان إلى الاستنجاد بالمرجع الأعلى في حينها السيد المجاهد (قُدس سرّه).
وقد كانت خطوات السيّد المجاهد في إعلان الفتوى وحكم الجهاد مدروسة، فقد اجتمع بالعلماء، وكان رأي العلماء هو إعلان فتوى الجهاد مباشرةً، إلّا أنّ السيّد المجاهد استمهلهم، وبعث رسولًا إلى الدولة القاجاريّة، لمعرفة رأي الملك أوّلًا، وإعلامه بحكم الجهاد، وبذلك كانت الدولة القاجاريّة مواكبة لفتوى الجهاد، ومسايرة معها.
وبحسب الفقه الشيعي فانّ إصدار فتوى محاربة المستعمِرين من أبرز الوظائف الـشرعيّة المُلقاة على عاتق علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) حماية ثغور المسلمين، والتصدّي لهجمات أعداء الإسلام في أيّ بقعةٍ من بقاع الأرض، سواء كان على مستوى الانحراف العقائدي والفكري أم انتهاك الأعراض والأموال وغير ذلك.
قيادة الجهاد
وبحسب المصادر التاريخية عندما عزم السيّد على مجاهدة الروس التفّ حوله جمع غفير من أهل العِلم من تلامذته وأساتذة الحوزة العلميّة في ذلك الوقت سواء في إيران أو في العراق، إذ تولى السيد المجاهد الإشراف على أمور الحرب، ومتابعتها والتنقل بين صفوف الجيش بجميع جبهاته.
وكان لتواجد السيد المجاهد في قلب المعارك دورًا معنويًّا لانتصار الجيش الإسلامي في الانتصار واسترجاع المدن التي كانت مُغتَصبَة على مدى أربعة عشر عامًا بمدّةٍ يسيرةٍ جدًّا.
إلّا أنّ الحرب ضد الروس مرت بمراحل عِدّة، منها مرحلة الانتصارات التي استطاع الجيش الإسلامي الانتصار فيها على الروس، واسترجاع أغلب أراضيه، ومرحلة الخسارة التي تعرّض لها المسلمون، كما تشير المصادر بسبب مقتل قائد الجيش الإسلامي أمير خان، وخيانة بعض قادة الجيش عندما لم يهيّئوا العتاد، مما أسفر عن نجاح الهجوم الروسي بالاستيلاء على عدد من المدن الإيرانيّة.
وفاته ومدفنه
يقول الشريفي، "تظهر الوثائق أنّ السيّد المجاهد توفي في قزوين عند رجوعه من حرب الروس، وذُكرت في سبب وفاته أنّه أصابه الهمّ والغمّ والكمد بسبب الخسارة التي لحقت جيش المسلمين".
ويتابع، "بقي السيّد قرابة سبعة أيّامٍ لم يتكلّم، واجمًا من الوجد، ولمّا وصل إلى قزوين فارق الدنيا إلى دار النعيم، وحُمل جثمانه الشريف إلى كربلاء المشرّفة، فدفن فيها".
مبينا، "كانت وفاته في ليلة السبت 24 ربيع الثاني سنة (1242هـ)، ودُفن في مقبرةٍ خاصّةٍ تقع في رأس سوق التجّار الكبير قرب الصحن الحسينيّ الشريف، على مقربة أمتار معدودة من شارع الإمام علي عليه السلام".
ويختتم، "قد شيّد على قبره ضريح تعلوه قبّة خـضراء موشّاة بالكاشانيّ، وبقي القبر شاخصًا يتوافد إليه المحبّون إلى أن أُزيل مع مجموعةٍ كبيرةٍ من الأبنية عام (1979م) عندما جرى توسيع وتطوير ما بين الحرمين الـشريفين في كربلاء، حيث أصبح ضمن الساحة الكبيرة بين الحرمين، واليوم يوجد له قبرٌ رمزيّ تعلوه قبّة خـضراء في منطقة بين الحرمين".