في أحد المعامل الصغيرة على ضفاف نهر الحسينية شمال مركز مدينة كربلاء المقدسة يعكف خمسة فنيّين على تعميم ابتكار مهم قد يسهم في تغيير ملحوظ على صعيد التسميد الزراعي في العراق.
هؤلاء الشبان الذين ينتسبون إلى مشاتل الكفيل التابعة للعتبة العباسية المقدسة، يمضون ساعات طويلة في إنتاج سماد عضوي يُعدّ الأول من نوعه في العراق بحسب المعطيات الحالية، مستعينين بأدوات وآليات بسيطة نسبيا، إلّا انّ نتاجها بدا مؤثرًا بشكل كبير.
يقول محمد حربي، مدير مشتل الكفيل، "ما يجري إنتاجه يمثّل تحوّلا كبيرا على صعيد التسميد الزراعي".
مبينا، "التباين في الأمر أن السماد الذي ينتجه المشتل يختلف نوعا وتأثيرا عن بقية أنواع السماد الموجود في العراق".
مكملا، "إنّه سماد عضوي بشكل كامل، وصديق للبيئة وأثبت فعاليته وفائدته إلى جانب خلوّه من أي ضرر أو آثار جانبية عند استعماله".
ويشير مدير المشتل إلى، أنّ "جميع مواد تصنيع السماد هي عضوية بحته".
موضحا، "تجري عملية إنتاجه عن طريق جمع فضلات النخيل السعف والجذوع فقط".
وبحسب البيانات العلمية الخاصة بالزراعة فمن المعروف أن الأسمدة العضوية السائدة تُنتج من فضلات الحيوانات، لذا فإنتاج هذا النوع من الأسمدة يمثّل بحدّ ذاته ابتكارا غير مسبوق في العراق.
علي حمزة حنتوش مهندس، زراعي في المشتل، وأحد فريق العمل علّق قائلا، "السماد المُنتج يحتوي على العناصر الضرورية المُغذية، كالنيتروجين والبوتاسيوم والفوسفور".
ويضيف، "كما أثبتت الاختبارات المختبرية الدقيقة خلوّه من أي مسببات مرضية أو مواد ضارة".
مشيرا، إلى أنّ "المعايير التي نعتمدها لضمان فعالية السماد تتلخّص في جودته من حيث التحلل الكامل، واعتدال رائحته وخلوّه من الشوائب فضلًا عن تميزه بمعايير الاستدامة البيئية، فهو صديق للتربة ولا يسبب تلوثًا".
الحاجة أمّ الاختراع
إلى ذلك يلفت السيد حربي مدير المشتل، أن "فكرة إنتاج هذا النوع من السماد جاءت نتيجة الحاجة الماسة للأسمدة وارتفاع تكاليف شرائها في الأسواق، ما دفع إدارة المشتل إلى إنشاء معمل متكامل لتغطية هذه الحاجة وتقليل النفقات".
ويضيف، "الميزة الأبرز لهذا المعمل هي اعتماده الكامل على مكونات نباتية مثل سعف وجذوع النخيل، مما يجنّب انبعاث الروائح الكريهة المرتبطة عادة بالأسمدة الحيوانية، ويُستخدم هذا السماد بشكل رئيس للعناية بالشتلات المزروعة في البيوت المحمية والصحن الشريف والقاعات والمناسبات الدينية".
مبينا، "خَصصت إدارة المشتل مجموعة من المنتسبين لإدارة المشروع بعد إدخالهم في دورات تدريبية بإشراف خبراء مختصين".
ويقول الحربي، "افتُتح المعمل في البداية بمرحلة أولى لإنتاج كميات محدودة اعتماداً على سعف النخيل، قبل أن يُطوّر العمل بإضافة مكائن خاصة لمعالجة جذوع النخيل وتحويلها إلى مواد مبروشة".
أما عن آلية تحويل مخلفات النخيل إلى أسمدة مفيدة، فيبيّن المهندس علي حمزة حنتوش، أنّها "تمرّ بمراحل عِدّة تبدأ بفرم وتقطيع تلك المخلفات، ثم معالجتها بطرق حيوية وبيولوجية مدروسة تساعد على تفكيك الألياف وتحويلها إلى عناصر غذائية تفيد التربة والنبات".
مضيفا، "هذه العملية لا تقتصر على التخمير فقط، بل تعتمد على أساليب تسرّع التحلل وتزيد من القيمة الغذائية للسماد".
موضحا، "في الجانب التقني، نحن نستخدم أجهزة مخصصة للفرم والغربلة وأحواضًا خاصةً لعمليات التخمير والتهوية، بالإضافة إلى أدوات قياس دقيقة لمراقبة الرطوبة ودرجات الحرارة ومستوى الحموضة".
جودة تضاهي المنتجات العالمية
هذه التجربة خضعت لاختبارات متخصصة، وأكّد الخبراء أنّها من أفضل أنواع الأسمدة في العراق، بل تضاهي نظيراتها المستوردة، خصوصاً الألمانية منها، والأهم من ذلك أنّها تحلّ مشكلة بيئية كانت تواجه المزارعين، إذ أصبحت المخلفات الزراعية تتحوّل إلى منتج نافع بدلاً من أن تكون عبئًا.
فيرى الخبير الزراعي محمد تقي الجنابي، أفضلية استخدام هذا النوع من الأسمدة لأسباب عِدّة، فيقول، "هذا النوع من الأسمدة يمثل خيارًا مستدامًا وصديقًا للبيئة، وخطوة مهمة للنهوض بالزراعة الحديثة في العراق؛ لأنّ النوع من الأسمدة يبحث على التوازن بين الإنتاجية والحفاظ على صحة الإنسان والتربة".
ويضيف، "أمّا من الناحية الاقتصادية، فالاعتماد على السماد الطبيعي يقلل من التكاليف على الفلاحين للمدى الطويل، خاصة مثل هذا النوع الذي تتوفر فيه المواد الأولية، بالإضافة الى أنّ المحاصيل الناتجة تكون ذات جودة أفضل وقيمة سوقية أعلى".
مشيرا، "من جانب آخر، هذا النوع من السماد يحافظ على البنية الطبيعية للتربة ويزيد قدرتها على الاحتفاظ بالماء، مما يقلّل الحاجة إلى الريّ المتكرر، كما أنه يساعد في تحسين النشاط الميكروبي داخل التربة وهذا شيء مهم لإعادة التوازن الطبيعي للنظام الزراعي".
نجاح ملحوظ
وبعد نجاح المشروع وتغطية حاجة المشتل، بدأت إدارة المعمل بتسويق السماد إلى الفلاحين بأسعار مناسبة، مع إطلاق برنامج إرشادي لتعليمهم طريقة الاستخدام والسقي الصحيح.
المزارع ناصر محمد الذي يمتلك أرضًا مساحتها 15 دونمًا، تقع في منطقة الحسينية في كربلاء المقدسة، علّق قائلا، "عرفت الأسمدة الطبيعية التي ينتجها مشتل الكفيل من تجربة أحد أصدقائي الذي سبق وأن استخدمها في أرضه".
مشيرا، "النتائج الإيجابية التي لاحظتها على محاصيله شجعتني على خوض التجربة".
ويسترسل، "في البداية لم أكن مقتنعا تمامًا؛ لأنّ أغلب الأسمدة الموجودة في الأسواق لا يمكن الوثوق بها، ولكن بعد أن رأيتُ النتائج الملموسة لدى أحد أصدقائي قررت أن أجرب، وما شجعني هو أنّ الأسمدة محليّة وطبيعية وآمنة، على عكس الأسمدة الكيميائية التي تلحق الضرر بالتربة والمحاصيل".
ويضيف، "سهولة الحصول على المنتج كانت عاملا مهما في اتخاذ القرار، فلا أحتاج إلى إجراءات معقدة أو وقت طويل، فقد تواصلت مع المشتل واستلمت الكمية المطلوبة بسرعة وبسعر أنسب مما موجود في الأسواق".
ويتابع ناصر، "بعد استخدامها لاحظت تحسنا كبيرا في خصوبة التربة وأصبحت النباتات أكثر قوة ولم تعد بحاجة إلى كميات إضافية من الأسمدة، كما في السابق، حتى استهلاك المياه انخفض؛ لأنّ التربة احتفظت بالرطوبة بشكل أفضل".
مختتما، "إدارة المشتل لم تكتفِ ببيعنا المنتج فقط، بل قدّمت لنا دعمًا فنيا وإرشادًا متواصلًا للاطمئنان على النتائج، وهي تُجيب على جميع استفساراتنا بسرعة، وهذه الميزة تُفتَقد لدى التجار العاديين".