يلوذ الشاب سرمد طارق بكتابه هربًا من جدران منزله بشوارع مدينة كربلاء القديمة، حيث يمتزج عبق التاريخ بسكينة المكان.
فسرمد ابن التسعة عشر ربيعًا، الذي يجد نفسه اليوم في مواجهة فرصة ثانية مع مرحلة السادس العلمي، لم يكن يبحث فقط عن مكان يضم شتات كتبه وملازمه، بل كان يفتش عن ملاذٍ نفسيّ يعيد ترتيب شغفه الذي أرهقته ضغوط البيت والامتحانات الوزارية التي باتت تقرع الأبواب.
ويقطن سرمد حي الانتفاضة الثانية الواقع في محافظة كربلاء المقدسة، إلّا إنّه يجد "كما يصف" في المدينة القديمة التي تحتضن العتبات المقدسة المكان الأمثل للمذاكرة والتحضير للامتحانات النهائية لمرحلة الاعدادية.
فيقول، "الراحة النفسية التي وجدتها في هذه البقعة الطاهرة لم أجدها في مكان آخر".
مبينا، "اتواجد كل يوم من الساعة السادسة صباحا إلى الساعة السادسة مساءً؛ لأكمل المراجعة الخاصة، تحضيرا للامتحانات الوزارية في الصحن العباسي الشريف، طلبا للهدوء والأجواء الاستثنائية التي تتوفر هنا".
ويضيف، "الخدمة التي توفرها ملاكات العتبة العباسية المقدسة للطلبة الوافدين لغرض الدراسة والمراجعة تتمثل بالأماكن المخصصة المعزولة الهادئة والمُراقَبة".
مشيرا، "تلك الخدمات تشمل أحيانا وجبات طعام بأسعار رمزية، كنوع من الدعم المادي للطلبة".
مختتما، "في كثير من الأحيان يحضر بعض التدريسيين لتقديم محاضرات تعليمية للطلبة المتواجدين داخل السرداب".
وخَصَّصت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة سرداب الإمام الحسن عليه السلام، الذي يقع أسفل الصحن الشريف لشريحة الطلبة الراغبين بالدراسة والتحضير للامتحانات المدرسية، بعيدا عن الضوضاء والضجيج الناجم عن كثافة الزائرين.
إذ تستقبل العتبة العباسية المقدسة عشرات آلاف الزائرين يوميا، من الذين يفدون من داخل العراق وخارجه بهدف التبرك بمرقد أبي الفضل العباس عليه السلام.
من جانبه يعلق الطالب، حسن مصطفى سعدون، البالغ من العمر 21، الوافد من العاصمة بغداد، قائلا "أجد الهدوء والأجواء الروحية في العتبة المقدسة؛ لأنّها تزودني بحافز كبير للمذاكرة".
ويضيف، "هذا المكان أضاف لي الكثير فانا أقرأ في أقدس مكان، في ضيافة أبي الفضل العباس عليه السلام".
فيما يرى الطالب، مرتضى ليث حازم، البالغ من العمر22 عامًا، والذي وفد من منطقة سهل نينوى في مدينة الموصل شمالي العراق، إنّ "الدراسة في هذا المكان المقدس تزيدني إصرارا وعزيمة على النجاح".
مبينا، "قضيت حتى الآن أكثر من شهر أدرس يوميًا بمعدل اثنتي عشرة ساعة متواصلة داخل الحرم الشريف".
مشيرًا، "أشعر بتأثير نفسي من صاحب المرقد الشريف أبي الفضل العباس عليه السلام، يشعرني بالارتياح والسكينة ما إن تطأ قدمي العتبة المقدسة".
موضحا، "في بعض الأيام كنت أواصل الليل بالنهار داخل الحرم، وكثير من الليالي كنت أنام هنا".
مبادرات متواصلة
بدوره، يشير علي حسين سلمان، المعاون الإداري في قسم حفظ النظام، إلى حرص العتبة العباسية المقدسة على تقديم الدعم والخدمة لشريحة الطلبة.
معللا، "هذا الحرص جاء انطلاقاً من رسالتها الإنسانية والمجتمعية في رعاية الشباب وتهيئة الأجواء المناسبة لهم، لما يمثلونه من أهمية كبيرة في بناء المجتمع وصناعة المستقبل".
ويضيف، "منتسبو قسم حفظ النظام يؤدّون دورًا أساسيًا في إنجاح هذه الخدمة، عبر تنظيم حركة الطلبة وتأمين انسيابية دخولهم وتنقلهم".
موضحًا، "يعمل المنتسبون على تقديم الإرشاد والتوجيه والتعامل الإنساني الراقي مع الطلبة، بما يسهم في توفير أجواء آمنة ومُنَظَّمَة تعكس الصورة المُشَرِّفَة للعتبة العباسية المقدسة، وحرصها على خدمة الجميع بأفضل صورة ممكنة".
من جانبه، أشاد الأستاذ وميض خليل التميمي، مدير تربية محافظة كربلاء المقدسة بتلك المبادرة، قائلًا، "تعودنا من العتبة العباسية المقدسة على مبادرات تحفيزية تخدم شريحة الطلبة".
ويضيف، "إنها مبادرة تستحق الإشادة والتقدير، شُكْرُنا وتقديرنا للمتولي الشرعي أحمد الصافي، وكلّ المسؤولين في العتبة المقدسة، مساندين وداعمين لكلّ المبادرات".
مشيرًا، "للعتبة العباسية المقدسة الكثير والكثير من المبادرات ذات الصلة، منها فتح كافة المدراس والجامعات لطلبة السادس لغرض الامتحانات الوزارية".
بين الماضي والحاضر
إلى ذلك يبيّن الأكاديمي حسين هاشم عبد، الفرق بين أوضاع الطلبة بين العقود الماضية والحالية، قائلا، إنّ "في الأيام السابقة كانت الإمكانيات محدودة وبسيطة".
مبينا، "كنّا نستخدم الشمعة أو الفانوس للتمكّن من المذاكرة بدل المصابيح الكهربائية، خصوصا أيام الحصار الاقتصادي".
ويضيف، "كما كنّا نفتقر إلى وجود بيئة تحتضن الطلبة وتساعدهم على تبادل المعلومات".
موضحا، "كانت المكتبات هي المصدر الوحيد التي يلجأ إليه الطالب".
ويكمل، "ما متوفر حاليا من المصادر المتعددة، مثل المنصات التعليمية عبر الانترنت والتدريس الخاص الذي ساد في الوقت الحالي يمثّل فرص نجاح كبرى للطلبة".
مشيرا، "طلبة العراق يختلفون عن طلبة البلدان الأخرى؛ بسبب ما مرّ به العراق من ظروف صعبة وأليمة باقية في ذاكرة آبائهم".