image alt

عاشوراء 1448... صخب الاستعدادات يضج بأركان مدينة العزاء

عاشوراء 1448...  صخب الاستعدادات يضج بأركان مدينة العزاء



لا تتوقف أصوات طَرْقِ مكائن الخياطة المتراصفة داخل المبنى، فجميع الخياطين يسابقون الزمن لإنجاز أعمالهم المكلفين بها دون أي تأخير، فموسم عاشوراء بات على الأبواب، والرايات السوداء يجب أن ترفرف في وقتها المحدد أعلى القباب الذهبية في مدينة كربلاء المقدسة.

فتلك المدينة التي تحتضن مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، اعتادت على إحياء ذكرى استشهادهما بشكل سنوي منذ قرون متتالية، محتضنة الشعائر الحسينية التي انبثقت عنها في تقليد مُتّبَع لدى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام من المسلمين الشيعة.


desc-d7c2d6737387d456.png


وفي هذا الركن من المدينة القديمة، حيث يقع مبنى شعبة الخياطة والتطريز الذي يعكف منتسبوها على إتمام خياطة الرايات السوداء، تتضافر الجهود دون كلل أو ملل، وتتسابق الهمم فيما يعد عندهم واجب مقدس يندرج ضمن سنة إحياء أمر آل بيت النبي محمد صلوات الله عليهم أجمعين.

السيد عبد الزهرة داوود، الذي يشغل مهمة إدارة شعبة الخياطة والتطريز، يبيّن أن الأعمال الجارية تمثل تحضيرات ضرورية وخاصة بموسمي محرم وصفر.

ويقول، "الأعمال تتركز في الوقت الحالي على تجهيز اللافتات والمخطوطات القماشية التي تبرز مظاهر الحداد في مدينة كربلاء المقدسة".

مضيفا، "جميع أرجاء المدينة القديمة يجب أن تعمها مظاهر الحداد العام".

لافتا، "الراية السوداء التي سوف تعتلي قبة أبي الفضل العباس عليه السلام، تتصدّر أولويات أعمالنا الخاصة بموسم عاشوراء".

وشعبة الخياطة والتطريز هي إحدى تشكيلات قسم الهدايا والنذور العائد إلى الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة.

ويبلغ عدد ملاكات تلك الشعبة بحسب مسؤولها (32) منتسب، جُلُّهم من الحرفيين المختصين بفنون الخياطة والتطريز.


وتَتَّبع الأمانتان العامّتان للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية تقليد سنوي متوارث يتمثل باستبدال الرايتين المرفوعتين على قبتي الضريحين المطهرين.

إذ تُرفَع راية الحداد السوداء فوق كلّ قبة في بدء الساعة الأولى للأوَّل من شهر محرم الحرام من كل عام، والأول من الأيام العشرة الأوائل المسماة بأيام عاشوراء، بدلا من الراية الحمراء التي تُرفع على مدار أشهر السنة.

وترمز الراية الحمراء المُستبدلَة إلى طلب الثأر من القتلة في موروث عربي، إذ كانت تُرفع تلك الراية على قبر من يُقتل حتى يؤخذ بثأره.

ويبلغ طول الراية ثلاثة أمتار ونصف، فيما يبلغ ارتفاعها مترين ونصف المتر، وتُصنع من أقمشة ذات جودة عالية وتُطرّز بخيوط حريرية مميزة، بما ينسجم ومكانتها الرمزية والدينية.


desc-65a2da335e5f52d3.png


مظاهر الحداد العام

على مقربة من تلك الشعبة، يجد الفتيان والشباب وعلى رأسهم الشيوخ في نصب مواكب العزاء العاشورائي، إذ يحرص سكان المدينة على المشاركة في مراسم الحداد بشكل كامل.

إذ يتعاون الجميع على شكل فرق في تشيد المواكب حول المرقدين المطهرين والساحات العامة وأزقة المدينة القديمة قبل حلول شهر محرم الحرام بأيام قليلة.

وبحسب القائمين على تلك المواكب فإنها تبقى مشيدة طيلة شهري محرم الحرام وصفر، قبل أن يتم تفكيكها حتى موعد تشييدها في العام المقبل.

ويحمل كلّ موكب تسمية خاصة به مأخوذة من الموقع الجغرافي أو طبيعة مِهَن أفرادها أو تسميات تاريخية أو دينية.

فهناك موكب محلة باب الخان، وأيضا منطقة العباسية والحيدرية والمخيم وهي محلات سكنية داخل المدينة القديمة، وأيضا هناك موكب يحمل تسمية صنف الصفارين نسبة إلى العاملين في صناعة مادة النحاس، أو القصابين أو البزازين، وغيرها من المواكب العزائية التي تُشيَّد في كربلاء المقدسة.

وتؤدي تلك المواكب أدوار متعددة في موسمي عاشوراء وصفر، تتضمّن تقديم خدمات منوعة للوافدين إلى المدينة من داخل العراق وخارجه للمشاركة في إحياء تلك الشعائر.

إذ تقدّم تلك المواكب العزائية خدمة توفير مياه الشرب ووجبات الطعام السريعة، فضلا عن أماكن استراحة الزائرين.

ومن جانب آخر يشارك أفراد تلك المواكب في مراسم عاشوراء عبر إظهار معالم الحزن عن طريق أداء مُنظَّم يُعرف بالتشابيه، ومواكب العزاء التي تجول المدينة القديمة والعتبتين المقدسين مُظهِرة أشدّ صور الحزن والألم على مصاب أهل البيت عليهم السلام.


desc-dfd86a2d2dfcd80f.png


حركة وأذونات المواكب الحسينية

في مركز المدينة القديمة لكربلاء المقدسة وتحديدا في محلّة باب النجف، تنشط خلية بشرية في عملية تنظيمية تُعدّ محور الشعائر الحسينية التي ستجري في شهري محرم الحرام وصفر القادمَين.

إذ يواصل المهندس كاظم صالح مهدي معاون رئيس قسم المواكب والشعائر الحسينية في العراق والعالم الإسلامي أعمال تدقيق وتنظيم مواكب العزاء التي تعتزم المشاركة في إحياء الشعائر.

إذ يولي هذا القسم عمليات صرف الموافقات والأذونات الرسمية لأي موكب عزاء يرغب في المشاركة داخل المدينة، قبل أن تُدرج تلك المواكب في جدول ينظم توقيت دخولها إلى المدينة القديمة ومسارها بشكل دقيق جدا لا يقبل الخطأ.

ويولي القسم بحسب المهندس كاظم صالح أهمية كبيرة للحفاظ على الموروث الشعبي الحسيني عن طريق التأكيد على الالتزام بالقصائد التراثية والكلمات والأوزان المتعارف عليها، والاهتمام بزي المواكب وطريقة أدائها بما ينسجم وطبيعة المناسبة.

ويعلّق صالح، "نتابع الرايات والشعارات والعبارات المكتوبة عليها، وننظّم استخدام الأجهزة الصوتية والعربات الخاصة بها".

مبينا، "هناك ضوابط محدّدة تضمن عدم التأثير على الأجواء العامة داخل الصحن الشريف".

ويبدو أن جميع المواكب العزائية المشاركة في الشعائر تتعهد خطياً بالالتزام بالتعليمات والضوابط التنظيمية قبل منح الموافقات الرسمية.

ويشير معاون رئيس القسم إلى، أنّ "نسبة الالتزام مرتفعة جداً، وأن المخالفات المُسجّلة تبقى محدودة ويتم التعامل معها عن طريق التنبيه والتوجيه وبيان آثارها السلبية".

وتُظهر البيانات الرسمية أنّ عدد الأذونات للمواكب الحسينية داخل محافظة كربلاء المقدسة شهد ارتفاعاً في السنوات الأخيرة، ويرجّح أن يصل عدد المواكب المشاركة في الموسم الحالي إلى ما يقارب (740) موكباً من داخل المحافظة.

ويبلغ عدد منتسبي القسم يبلغ (69) منتسباً يتوزعون على عدد من الشعب التخصصية التي تتولى المهام الإدارية والتنظيمية والتواصل والنشاطات والمناسبات والإشراف على المواكب الخدمية ومتابعة أعمالها.


desc-076198a2305e3a6b.png


للتنظيم اهتمامٌ كبير

إلى ذلك تستدعي الموجات البشرية المتحركة اهتماما بالغ الأهمية لتنظيم المسارات وحركة المشاركين في إحياء هذه المناسبة داخل المدينة القديمة.

فعمدت إدارة العتبتين المقدستين إلى تأسيس أقسام مختصة تتولى عملية تأمين انسيابية حركة الزائرين وفك الاكتظاظ وسط الحشود المليونية التي تبلغ ذروتها في أيام محدودة، وخصوصا في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام.

فلا يدّخر المعاون الأمني الأول لرئيس قسم بين الحرمين الشريفين الشيخ حبيب الدهش جهدا في سبيل تلك المهمة الحساسة، إلى جانب المهام الأخرى التي تقع على عاتق منتسبي القسم.

فيقول الشيخ الدهش، "يتولّى قسم بين الحرمين الشريفين مهمة استقبال المواكب ابتداءً من الأول من شهر محرم الحرام وحتى التاسع منه".

موضحا، "يكون تنظيم دخول المواكب من جهة شارع قبلة أبي الفضل العباس عليه السلام ، ومرافقتها حتى خروجها من جهة مرقد الإمام الحسين عليه السلام ، بما يضمن انسيابية الحركة وانتظام المواكب في أثناء أداء مراسم العزاء".

مضيفا، "تتضاعف جهود قسم بين الحرمين الشريفين في الزيارات المليونية، ولا سيما في أيام شهر محرم الحرام وصولاً إلى زيارة الأربعين، حيث تبدأ الاستعدادات على محاور رئيسية عِدّة؛ لضمان أمن الزائرين وسلامتهم وراحتهم، فضلاً عن خدمة المواكب الحسينية وتنظيم حركتها".

وبحسب الشيخ الدهش، فإن العتبتين تعنيان بالجانب اللوجستي أيضا، إذ هيَّأتا عدداً من عجلات الشحن لدعم مفارز الطبابة والأقسام الخدمية وأقسام المضيف.

ويقول، "وُضعت هذه العجلات تحت تصرف تلك الجهات لأداء أعمالها في الزيارة".

مشيرا، استكملت شعبة صيانة العجلات في القسم حَمْلَةَ صيانةٍ وتأهيلٍ شاملةً لهذه الآليات قبل بدء الموسم؛ لضمان جاهزيتها الكاملة وقدرتها على أداء المهام المطلوبة".


desc-e88772f3e6aac585.png


مرّشات الرذاذ ومناهل المياه المبردة

ونظرا لتوافق شهر محرم الحرام هذا العام مع شهر حزيران الذي يتّصف بأجواء حارة نسبيا، حرصت الأقسام الخدمية التابعة للعتبتين المقدستين على نشر مراوح رذاذ الماء.

تلك المراوح التي عُلّقت على جانبي الطرق والأزقة وساحة بين الحرمين، وزُوِّدت بأنابيب الرذاذ المعلقة أعلى رؤوس المارة؛ لتسهم في تخفيف وطأة درجات الحرارة المرتفعة، خصوصا مع تزايد أعداد الحشود.

ويبيّن المهندس محمد جاسم مسؤول شعبة الصيانة في قسم بين الحرمين أنّ السنة الحالية ستشهد تطويراً لمنظومة التبريد الخاصة بالمناطق المفتوحة، قائلًا، "سيجري توزيع (70) مبردة في منطقة بين الحرمين ومُسَقّفاتها.

ويقول، "جرى نصب معدات التبريد بالشكل الذي يخدم أكبر مساحة ممكنة وستسهم في خفض درجات الحرارة داخل مسقفات منطقة بين الحرمين بمعدل (10) درجات مئوية".

ويتابع المهندس، "العمل على استنفار جميع منافذ مياه الشرب العذبة".

مُكمِلًا، "في منطقة بين الحرمين الشريفين، توجد مجموعة محطات تحلية وتنقية للمياه القادمة من خطوط الإسالة الحكومية، التي تضخّ إلى أجهزة التبريد".

مشيرًا، "توجد أربع منظومات لتبريد المياه تعمل على خفض درجة حرارة الماء من (30) درجة مئوية إلى (7) درجات؛ ليُوزَّع هذا الماء المبرَّد والمُنقَّى على مناهل الساحة الوسطية".

مُختَتمًا حديثه، "يبلغ عدد هذه المناهل أكثر من (50) منهلاً، والهدف منها إيصال الماء إلى أكبر عدد ممكن من الزائرين الكرام".


desc-2c93d7049d77eb01.png