image alt

عاشوراء 1448.. يوم القاسم

عاشوراء 1448.. يوم القاسم

خَطَبَ في ليلة عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه، وأخبرهم بأنهم يُقتلون يوم غد، فسأل القاسمُ عليه السلام عن مصيره، وهل هو من الشهداء؟

فقال له الإمام عليه السلام كيف ترى الموت؟

قال القاسم: أحلى من العسل.

فقال له الإمام عليه السلام أنت من الشهداء أيضاً.

وبعد سويعات من اندلاع المعركة، وثق التاريخ أن الحسين عليه السلام كان قائماً على رأس القاسم، قائلا، "بُعداً لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك وأبوك".

ثم قال، "عزّ والله على عمك أن تدعوه، فلا يجيبك أو يجيبك فلا ينفعك صوته، هذا يوم والله كثر واتره، وقل ناصره، ثم حمله".

وقد وضعه الحسين عليه السلام على صدرهُ، فجاء به حتی ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وحوله شهداء من أهل بيته.

ذلك الفتى هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أحد أولاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وهو غلام لم يبلغ الحلم، أبدى شجاعته عندما برز للقتال في واقعة الطف.

استشهد القاسم يوم عاشوراء قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ولا تزال مدينة كربلاء المقدسة تغدو امتدادًا لحكاية الطف الخالدة.

تتعالى أصوات النعي من الحسينيات والمواكب، وتخفت ضوضاء الحياة أمام سطوة الحزن الذي يسكن المدينة في هذه الذكرى.

وهناك.. وسط الجموع المعزّية، يقف الفتى أحمد، ذو الخمسة عشر عامًا، مرتديًا ثوبًا أبيض يختزن في تفاصيله قصة فتى آخر عاش قبل قرون طويلة، لكنه ما زال حاضرًا في وجدان المؤمنين وكأن استشهاده وقع بالأمس.

يتأهب أحمد لأداء دور شبيه الإمام القاسم بن الحسن عليهما السلام، ضمن موكب "واحسينا واحسينا"، أحد المواكب التي تحرص سنويًا على إحياء تفاصيل واقعة الطف وتجسيد شخصياتها بما يحفظ الذاكرة الحسينية حيّة في نفوس الأجيال.

desc-fdd275e00daead5a.jpeg


قبل انطلاق الموكب، كانت ملامح التوتر والرهبة واضحة على وجهه الصغير، فهو لا يرى نفسه مجرد مشارك في عرض شعائري، بل يشعر أنه يحمل أمانة ثقيلة تتجاوز عمره وسنواته القليلة.

يقول أحمد وهو يحاول إخفاء ارتباكه، "كلما ارتديت هذا الثوب الأبيض أشعر بثقل المسؤولية".

ويضيف، "الإمام القاسم عليه السلام ليس شخصية عادية في التاريخ، بل هو رمز للشجاعة والوفاء والطاعة. أخشى دائمًا أن أقصّر في أداء هذا الدور أو ألا أكون بمستوى هذه الشخصية العظيمة".

ويكمل، "منذ الأيام الأولى للاستعداد للموكب ترافقني مشاعر متداخلة من الحزن والخشوع والرهبة".

أفكر كثيرًا بالقاسم عليه السلام، ذلك الفتى الذي كان في مثل عمري تقريبًا، لكنه وقف مع الحق بكل شجاعة وضحى بنفسه بين يدي عمّه الإمام الحسين عليه السلام".

ويؤدي أحمد هذا الدور للعام الثالث على التوالي، بعد أن وقع عليه الاختيار من لدن مسؤولي موكب "واحسينا واحسينا"، الذين وجدوا فيه المواصفات المناسبة لتجسيد شخصية القاسم بن الحسن عليه السلام.

وكان الإمام القاسم بن الحسن عليه السلام من بين أولئك الشهداء الذين خلدهم التاريخ.

وعلى الرغم من صغر سنه، إلا أن موقفه يوم عاشوراء جعله رمزًا خالدًا للشباب المؤمن المتمسك بالمبادئ.

وتروي المصادر التاريخية أن القاسم عليه السلام كان فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، لكنه أظهر من الشجاعة والثبات ما جعله من أبرز شخصيات واقعة الطف.

عندما أذن له الإمام الحسين عليه السلام بالنزول إلى ساحة القتال، تقدم بكل إيمان وثقة وهو يردد أبياته المشهورة:

إن تنكروني فأنا نجل الحسن

سبط النبي المصطفى والمؤتمن

هذا الحسين كالأسير المرتهن

بين أناس لا سقوا صوب المزن

هذه الكلمات التي تناقلتها الأجيال عبر القرون لا تزال تتردد في المجالس الحسينية والمواكب العزائية، لتبقى شاهدًا على عظمة ذلك الموقف الذي جسده فتى في مقتبل العمر.

في موكب "واحسينا واحسينا"، يتوسط أحمد موكب الخيول مرتديًا ملابس بيضاء ترمز إلى الإمام القاسم عليه السلام، فيما تحيط به جموع المشاركين الذين يرتدون أزياء مستوحاة من الحقبة التاريخية لمعركة كربلاء.

ويضم الموكب مئات المشاركين من الرجال والشباب والأطفال، ويتحرك الموكب وسط أجواء من الحزن والخشوع، بينما تتعالى أصوات اللطم والمراثي التي تستذكر مصاب أهل البيت عليهم السلام.

يقول الحاج علي الأسدي القائم على الموكب، إن "اختيار شبيه الإمام القاسم عليه السلام لا يتم بصورة عشوائية، بل يخضع لمعايير دقيقة تراعي طبيعة الدور ورمزيته الكبيرة، بالاضافة إلى ذلك يتم صنع الأزياء الخاصة بالشبيه في داخل الموكب ومن مواد محلية حيث تزين الشبيه عمامة خضراء ويرتدي لباسًا أبيض، وعباءة ويحمل السيف والدرع وبعضًا من الزينة على جسده والخفان".

ويوضح الأسدي، "الفتى المختار ينبغي أن يكون قريبًا من العمر الذي استشهد فيه الإمام القاسم عليه السلام، وأن يتمتع بهيئة مناسبة وملامح بريئة تعكس صورة الفتى الهاشمي كما استقرت في الوجدان الشعبي".

مشيرا، "كما يشترط أن يكون قادرًا على التحمل والانضباط والالتزام بتفاصيل المشهد الشعائري".

مبينا، "الهدف من المشاركة ليس الظهور أو لفت الأنظار، بل المساهمة في إحياء شعيرة دينية تعبّر عن الوفاء لنهضة الإمام الحسين عليه السلام".