يرتفع الصوت تدريجياً من حنجرة واحدة، ثم ينكسر فجأة إلى همسة، فتتمايل الأكتاف المتراصة في حلقات، كلّ حلقة منها يتقدمها "شادود" يلتقط اللحن قبل أن يرسله إلى من حوله.
العيون دامعة، والأيدي تضرب الصدور بإيقاع موزون لا يخرج عن طوره، بينما يقف في المقدمة شاب لم يتجاوز السابعة والعشرين، ينعى قصيدة بصوته.
حمزة حسن الكربلائي، ذاك الشاب الذي اعتاد منذ سنوات ارتقاء أعواد المنبر الخشبي، مؤدّيًا دورا محوريا في مراسم الشعائر الحسينية التي تشهدها كربلاء في أيام شهري محرم الحرام وصفر.
إذ يوظّف حمزة موهبة صوته الشجيّ في أداء مهمة ما يصطلح عليه شعبيًّا بتسمية (الرادود)، وهو الناعي في مجالس الحزن.
ويؤدي الناعي دورًا محوريًّا في أيام عاشوراء، فلا يخلو موكب من اثنين، الناعي المسمى بالرادود، والشاعر الذي يكتب المراثي الشعرية.
وبحسب الروايات التاريخية فإنّ ظاهرة النعي على الحسين عليه السلام ظهرت بعد استشهاده، عندما طلب الإمام زين العابدين عليه السلام من الشاعر بشر بن حذلم، أن ينعى الإمام الحسين عليه السلام لأهل المدينة المنورة عند عودتهم من كربلاء.
يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ بِهَا.. قُتِلَ الحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ
الجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّجٌ.. وَالرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى القَنَاةِ يُدَار
وتُعقد على مدار شهري محرم الحرام وصفر مجالس الذكر الحسينية التي تتضمّن النعي، فيما تستمر مواكب العزاء في أثناء مسيراتها اليومية داخل مدينة كربلاء وعلى مدى أيام عاشوراء بترديد المراثي التي يلقيها النعاة أو ما يُعرف بالرّواديد.

ضوابط ومعايير
وقد تميّز النعاة العراقيون عن سواهم ممن يرثي فاجعة كربلاء بأنواع من الأطوار الشجية منذ القدم، إذ تشير رواية تاريخية إلى أنّ الإمام الصادق عليه السلام طلب من أحد الشعراء العراقيين نعي استشهاد الإمام الحسين عليه السلام عبر إلقائه بالطريقة العراقية التي تتّصف بقوة التأثير في المشاعر الإنسانية.
يقول الرادود حمزة الكربلائي، إنّ "الأطوار العراقية تتميّز بسبعة مقامات، وهي الصبا، والنهاوند، والعجم، والبيات، والسيگا، والحجاز، والرست، والكرد".
ويضيف، "تتوزع المقامات بحسب غرض القصيدة، سواء أكانت حزينة أو افتخارية أو شجاعة".
مشيرًا، "المدارس العراقية الأربعة هنّ الكربلائية والنجفية والكاظمية والجنوبية التي أسّسها الرادود الراحل ياسين الرميثي".
والشائع أنّ هذه المدارس لا تختلف سوى في طريقة التوزيع، فالكربلائية تميل إلى الهدوء والقضايا الاجتماعية، والنجفية إلى الطرح السياسي، والجنوبية إلى البكائية الصرفة، والكاظمية تمزج بين الكربلائية والنجفية.
نشأة الرواديد
ويبدو أنّ البيئة العراقية كانت ولا تزال سببا في بروز العديد من الرواديد، فيما يعزو بعض المراقبين إلى الشعائر الحسينية التي تَعدّ كربلاء مسقط رأسها سببا في ظهور عددٍ كبيرٍ ومميزٍ من الرواديد.
فيشير الرادود حمزة الكربلائي إلى أنّ والده كان يصحبه إلى المجالس الحسينية منذ الصغر.
معلقا، "نشأت في بيئة حسينية بحتة كما ينشأ أغلب أهالي مدينة كربلاء المقدسة".
ويسترسل قائلا، "تشكّلَ صوتي بالاستماع المتكرر لرواديد كبار، أمثال حمزة الصغير وعبد الرضا النجفي وشيخ وطن، قبل أن يتوطن في داخلي أسلوب الرادود باسم الكربلائي".
من هذا المزيج، اختار حمزة أن يمثل المدرسة الكربلائية بشبابها ومخضرميها، تلك المدرسة التي تحتفظ بسلف الرواديد الصالحين وتلتزم بثلاث قصائد أساسية.
ويُعقّبُ السيد إبراهيم السيد مهدي الشريفي الكربلائي، أحد رواديد كربلاء، بأن "الرادود صاحب رسالة ومسؤولية".
مبينا، "يجب على الرادود أنّ يختار الكلمات الصائبة في المراثي التي يلقيها لضمان تأثيره في نفوس الحاضرين".
ويضيف، "المراثي تخضع لتنقيحٍ معنوي وتنقيح في اللحن أو ما يسمى بـ"الوزن" لكي تكون القصيدة انسيابية وصحيحة".

اختيار المراثي الشعرية
المرثية التي يلقيها الرادود حمزة الكربلائي "تمرّ بمسار دقيق"، على نحو ما يشير السيد علي حسون كاظم الموسوي، وهو شاعر حسيني من مواليد باب الخان عام 1955".
يقول، "عند الكتابة عن المراثي نحرص على جمع كل ما يخص الشخصية التي تُرثى من صفات ومواقف، كالشجاعة والوفاء وغيرها قبل الشروع بنظم المرثية".
مؤكدا، "يجب مراعاة الحفاظ على وحدة الموضوع من أول القصيدة إلى آخرها دون تشعب".
ويشير الشاعر الموسوي إلى، أنّ "الأوزان الكربلائية، مثل "ثلاث دكَات"، لها طابعها الخاص الذي يميزها عن المدرسة النجفية، وإنّ أكثر ما يعرف في العراق من المراثي الحسينية يعود إلى هاتين المدرستين".