يبدو أنّ حدثًا جَلَلًا سيحلّ في المدينة، فالجزء الأعظم من الحشود يتّجه صوب الشرق، رجال وشباب وأطفال.. بعضهم يحمل الرايات، وآخرون عَصّبوا جباههم بقطع من القماش الأسود خُطَّت فوقها الشعارات الدينية.
مع حلول وقت الضحى تغيّرت الأجواء، حتى طواقم الأجهزة الأمنية تبدي استعدادا أشدّ حزما من الأيام التسعة الماضية، فيما انبرى منتسبو العتبتين المقدستين في تنظيم صفوفهم التي قُسمت على شكل مجاميع انتشرت في شوارع محددة من المدينة.
مع تتبع مسار الجموع نجدها تتركز في منطقة تُعرَف بقنطرة السلام، أربعة كيلو مترات عن مرقد الإمام الحسين عليه السلام من جهة الشرق، بدأت تتشكل المجموعات دون تنظيم مُسبق، وكانت النداءات والردّات الحسينية المعروفة هي العامل المشترك الوحيد بينهم.
عراقيون وعرب وإيرانيون وهنود وباكستانيون وأفغانيون، جنسيات مختلفة يجمعهم نداء واحد، "واحسيناه".
فمع انتصاف الشمس في كبد السماء، وارتفاع صوت الأذان، حتّى هدرت الحشود صوب المدينة القديمة، تتحرّك كأنّها جَسَدٌ واحدٌ، ومشاعر الجزع بادية على كلّ فرد منهم.

وبحسب الروايات التاريخية، فإنّ الإمام الحسين عليه السلام استشهد بعد صلاة الظهر من يوم العاشر من محرم عام 61 للهجرة، هذا اليوم الذي تستحضره هذه الجموع المليونية المتواجدة في كربلاء.
إنّه تعبير لهبة إنسانية تلبّي دعوة الحسين عليه السلام، عندما أطلق نداءه الشهير في تلك المعركة قبيل استشهاده، "ألَا من ناصر ينصرني".
كانت تلك الجموع تلطم على الرؤوس والصدور، مُردّدين نداء "لبيك يا حسين" وهم يهرولون صوب مرقده الشريف وسط المدينة القديمة.

إنّه تعبير عن التضامن والتعاطف والنصرة لشخصية الإمام الحسين عليه السلام على الرغم من مرور مئات السنين من انتهاء واقعة كربلاء.
من السماء كانت كاميرات الطائرات المُسيّرة تنقل قطعة متموجة من السواد امتدت على مسافة عدة كيلو مترات، خصوصًا أنّ شوارع المدينة غصّت بالمشاركين الذين بلغت أعدادهم خمسة ملايين زائر بحسب البيانات الرسمية.

فيما انتشر المتطوعون على امتداد مسارات الركضة وفي محيط العتبتين المقدستين، ليسهموا في تنظيم حركة المعزّين وتسهيل انسيابية مرورهم، بالتنسيق مع التشكيلات الأمنية المشتركة التي وفدت إلى المدينة للمشارَكة في تأمين هذا الحدث، فلوحظ فتح ممرات خاصة لفرق الطوارئ والإسعاف لضمان سرعة الاستجابة عند الحاجة.
وبحسب قسم حفظ النظام في العتبة العباسية المقدسة فقد استعان بـ (2200) متطوع ممّن تلقوا تدريبات مُسبقة على آليات تنظيم الحشود والتعامل مع الحالات الطارئة والإرشاد الميداني.

فيما نَشَر قسم الشؤون الطبية 10 مركبات إسعاف صغيرة على طول مسارات الركضة، يرافقها 40 طبيبًا و160 متطوعًا من المسعفين والملاكات الساندة، توزعوا في نقاط مدروسة لتقديم الإسعافات الأولية والتدخل السريع للحالات الطارئة، بما يضمن وصول الرعاية الطبية بأقصر وقت، لإسعاف حالات الاختناق أو الدهس التي يتعرض لها بعض المشاركين في الركضة.

مسار مُحدد
كان مسار العزاء قد حُدِّد سلفا، ليس قبل أيام أو شهور أو سنين، بل حُدِّد قبل عقود، منذ أن انطلقت ما اصطُلِح عليه "ركضة طويريج"، نسبة إلى الطريق المؤدي إلى قضاء طويريج التابع لمحافظة كربلاء المقدسة.
مسار الحشود كان يقطع شارع الجمهورية وسط المدينة متوجها إلى مرقد الإمام الحسين عليه السلام، مرورا بساحة بين الحرمين الشريفين، قبل أن يصل إلى مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، لتستمر تلك الحشود متجهة إلى منطقة المخيّم الحسيني، الذي يقع على يمين العتبة الحسينة المقدسة من جهة الجنوب الغربي.
في خضمّ هذا المدّ البشري الهائل، يلتقط حبيب الدهش المعاون الأول لقسم بين الحرمين الشريفين في العتبة العباسية المقدسة، كلَّ شاردة وواردة وقلبه مع زائري الإمام الحسين عليه السلام وهو يتحرك عند نقاط بالغة الحساسية.

عيناه تتحركان بين الموجة البشرية المتدفقة وجهاز الاتصال في يده، وكلّ خطوة من خطوات هذا اليوم بالنسبة له هي نتيجة أسابيع من التخطيط الدقيق.
يقول الدهش، إنّ "المعاون الثاني لقسم بين الحرمين الشريفين يتولّى متابعة المنطقة من شارع العباس إلى المنصة في الساحة الوسطية بين الحرمين الشريفين".
كاشفا، "قبل أيام من هذه اللحظة عُقد اجتماع برئاسة السيد أفضل الشامي، المُشرف على قسم بين الحرمين الشريفين، بحضور رئيس القسم والمعاونين كافة، ووُضعت فيه خطة العمل التي يقف الدهش اليوم في قلب تنفيذها.
وبحسب الدهش، فإنّ "العتبة العباسية المقدسة استعدّت لهذه الشعيرة، ففرشت الساحة الوسطية بالسجاد الأحمر من الحرم الشريف، وأعدّت مسارات خاصة لعربات المواكب، وتشكلت فرق طوارئ على هيئة ستّ مجاميع لتنظيم الحركة ذهابا وإياباً، وفكّ أيّ اختناق مُحتمل، إلى جانب فريق إسناد جاهز للتدخل اللحظي".

حرق الخيام
مع تكدّس المعزّين في منطقة المخيّم الحسيني حيث نُصِبت خيمة عملاقة في الباحة المقابلة للمقام، جاءت لحظات تحبس الأنفاس، فتلك الجموع المليونية باتت الآن أمام مشهد يُدمي القلوب، خصوصًا إنّه يستحضر ذاكرة حرق خيام المخيم الحسيني في معركة الطف.
ذلك المخيم الذي كان يخلو من الرجال، حيث تتواجد فيه النساء والأطفال فقط، إذ تعرّض إلى استباحة وحشية من لدن الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد الملعون، حين سُلبت النساء مقتنياتها قبل أن تُساق مع الأطفال سبايا صوب الكوفة ثم دمشق.

استحضار تلك الواقعة الأليمة كان في مشهد حرق الخيمة الرمزية أمام عمارة المخيم الحسيني، إذ اختلطت في أثنائها مشاعر الجزع بين الحشود، فمنهم باكي وآخر لاطم على صدره وآخرون انهاروا حزنًا وألمًا على ما حلّ بأهل بيت النبوة وذراريه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
تلك اللحظات كانت قُبَيل تفرّق الحشود المليونية التي كانت تلبّي دعوة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، مُعرِبَة عن نصرها وافتدائها بأعزّ ما تملك، مُرَدِّدة الآية الكريمة، "يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزا عظيما".
انقضت مراسم عاشوراء، وتفرّقت الحشود المليونية، ولسان حال أفرادها يقول، "كلّ أرضٍ كربلاء وكلّ يومٍ عاشوراء".
