image alt

الطريق إلى كربلاء.. زرباطية

الطريق إلى كربلاء.. زرباطية


في فناء بيته بمحافظة واسط، تتصاعد رائحة الغبار من حقيبة قديمة أخرجها أحمد جاسم إسماعيل من الخزانة للمرّة السادسة على التوالي.

يطوي ثوبه الأسود بحركة يده المعتادة، يتفحّص محتويات حقيبته على ألّا يكون هناك نقص في المستلزمات التي جهزها للرحلة، فهو يعرف أنّ أمامه مسيرًا لأيّام، ثم يغلق الحقيبة بإحكام.

يبدأ أحمد البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً مسيره من ناحية زرباطية التي تحتوي على منفذ حدودي بين جمهورية العراق وجمهورية إيران الإسلامية، بعد أداء صلاة الفجر.

أحمد الذي ينتسب لهيئة الحشد الشعبي ورفاقه الخمس ينتظرونه عند نقطة الانطلاق، وفي مقدمتهم أمير نافع ذو الثلاثين عاماً، وأحمد القريشي ذو الخمسة والثلاثين ربيعاً، صاحب الموهبة النادرة بينهم جميعاً، إذ يملك صوتاً عذباً سيملأ الطريق لاحقاً بالأدعية والمرثيات الحسينية كلما ثقلت الخطى.

من منازلهم، تنقلهم سيارة إلى منفذ زرباطية الحدودي، فقد اختار الرفاق أن تبدأ رحلة المشي الفعلية من هناك تحديداً كما اعتادوا كل عام، فيجدون الأرض عند وصولهم ما تزال رطبة بندى الصباح الباكر، وهي أرض أقرب إلى الفراغ منها إلى الصحراء القاحلة.

عند بوابة المنفذ، وسط حركة دؤوبة لا تهدأ من حافلات القادمين ومن يعبرون في الاتجاهين، يخطو أحمد ورفاقه خطواتهم الأولى، تاركين خلفهم صخب المنفذ ليدخلوا تدريجياً في هدوء الطريق المفتوح الأقرب منه إلى الصحراء القاحلة الممتدة أمامهم.

يعرف الجميع أن هذا اليوم الأول سيبقى الأثقل بين الأيام كلها، فالجسد يتعلم للتو وقع المسير الطويل، والعضلات تكتسب تدريجياً إيقاعاً جديداً ستألفه بحلول اليوم التالي.

يمشي أحمد ورفاقه بخطى ثابتة رغم هذا الإدراك المسبق، مقتنعاً أنّ التعب الحقيقي يتركز في هذه الساعات الأولى وحدها، قبل أن تتكيف الأقدام مع الطريق وتخف حدة الإرهاق يوماً بعد آخر.

في الساعات الأربعة الأولى، يعبر أحمد ورفاقه مجرى نهر الكَلال في قضاء بدرة التي تبعد 20 كيلو متر تقريباً عن المنفذ الحدودي، تبدو مياهه جميلة لنقائها بين ضفّتيه اللاتي تكثر فيهما الحشائش أغلب أيام السنة.

تنحدر هذه المياه أصلاً من المرتفعات الإيرانية شرق الحدود العراقية، ويشكّل مجراها خطاً فاصلاً بين البلدين لمسافة قصيرة قبل دخوله الأراضي العراقية، ليغذي لاحقاً هور الشويجة الممتد غرب ناحية جصان، وجهتهم لهذه الليلة.

يروي أمير نافع، ابن قضاء بدرة، إنّ "نهر الكَلال هو قصة تجعلني أشعر بأنني تجاوزت مرحلةً في طريق الإمام الحسين عليه السلام".

ويقول أحمد جاسم الذي يسير بجانبه، "في المرحلة السابقة يكون الطريق مفتوحاً والمواكب تقل فيه لقلة سالكيه، فغالباً ما ينطلق الناس من قضاء الكوت في المركز".

بعد عبورهم الجسر فوق نهر الكَلال يستريح الرفاق في موكب على الطريق يوزع الطعام والعصائر الباردة لاسيما أنّ درجة الحرارة تصل إلى الــ 50 درجة أي نصف درجة الغليان، إذ يقول أحمد، "نشعر هنا أنّنا بحاجة إلى تناول السوائل لشدة التعرق في الطريق".

أم علي.. من الخوف إلى الظهور


عجين طري بين أصابع تعرف حركتها عن ظهر قلب، ضغطة، وطيّة، وضغطة أخرى، قبل أن تشرق الشمس على منطقة جصان، هناك يدٌ تعجن هذا الدقيق كل صباح منذ خمسة أعوام، وهي يد أم علي، البالغة من العمر خمسة وخمسين عاماً، تعمل بصمت بينما يتولى الرجال في العائلة لاحقاً مهمة الخبز والطبخ والتوزيع.

تصف هذا التقسيم بمعنى له تُراثٌ وحضارة، "نحن النساء في المواكب حالنا هنا كحالنا في المعارك الإسلامية في العهود السابقة، ففي الماضي كان دورنا تهيئة الخدمات والطعام للمقاتلين، ونحن نعتز بهذه الهوية".

هذا الموكب الذي تخدم فيه أم علي يُعرف بــ "موكب كفيل زينب"، وهو عائلي بالكامل، ويتألف من خمسة أشخاص فقط، بحسب ما يرويه ابن أخيها سجاد محمد عطية، البالغ ثمانية وعشرين عاماً من منطقة المعامل في بغداد.

desc-9373a16b567e213e.jpeg

إذ يروي سجاد، أنّ "والدي هو كفيل الموكب، وتشاركه في الخدمة زوجته وأختاه، إحداهما أم علي نفسها".

منذ خمسة أعوام، يخدم هذا الموكب الصغير على طريق واسط – كربلاء عند منطقة جصان، وسط عدد كبير من المواكب المتجاورة، لا يتشابه اثنان منها تماماً فيما يقدّماه.

فبينما تُعرف بعض المواكب في طريق الأربعين بتقديم مئات أو حتى آلاف الوجبات المتنوعة يومياً، تتوزع خدماتها بين الطعام الساخن والمثلجات والحلويات والفواكه، فضلاً عن الشاي والعصائر المتاحة على مدار الساعة، وبعضها يمتد لتقديم أماكن استراحة ودعم طبي.

في هذا المشهد المتنوع، يحمل موكب كفيل زينب هويته الخاصة عبر جدول طعام دقيق حفظته العائلة عن ظهر قلب، إذ تقول أم علي، "في الصباح نقدّم الهريسة والحساء والباقلاء، وفي الضحى وجبات سريعة للزائرين، وفي الظهيرة يقدم التمن والقيمة وفي العشاء التمن البرياني".

وتلفت إلى أنّ "البطيخ البارد والعصائر، تبقى حاضرة على مدار اليوم كوجبة مستمرة لا تنقطع، تحديًّا لحرارة الصيف العراقي التي لا ترحم الزائر السائر على قدميه ولا العائلة الواقفة خلف قدور الطعام".

ليصف ابن اخت أم علي سجاد النهج الذي تربّى عليه من والده بقوله "إن الإمام الحسين عليه السلام هو الفكرة التي يجب أن يُحتذى بها، لِما قدّمه للدين الإسلامي والإنسانية بشكل عام".

نهج عائلة أم علي يمتد طوال العام، إذ تبين، "نحن نوزع كلّ خميس، وجبات في كربلاء المقدسة، وكلّ سبت في الكاظمية المقدسة، بدعم ذاتي وتبرعات، تقليد بدأته العائلة قبل خمسة وعشرين عاماً وما زالت مستمرة فيه حتى اليوم".

ولكنّ أم علي، حين تتحدث عن هذا العطاء المستمر، تعود بذاكرتها إلى زمن مختلف تماماً، تتذكر طفولتها حين كانت المجالس الحسينية تُقام خلسة داخل المنازل، لأنّ "النظام السابق لم يكن يسمح بإقامة الشعائر الحسينية علناً".

اليد التي تعجن اليوم علناً تحت شمس الظهيرة، أمام آلاف العابرين، هي اليد ذاتها التي تعلّمت صغيرة أن تعجن بصمت خلف أبواب مؤصدة، وترى في هذا التحول، من الاختباء إلى الظهور والفخر، رسالة تتجاوز موكبها الصغير، "هذا الأمر متاح اليوم، والحمد لله، وهو رسالة للعالم بأن الشيعة لا يمكن تفريقهم، لأنّ الحسين هو القضية التي تجمعهم".

بين الزائرين الذين يتوقّفون عند خيمة العائلة، يصف السيد جمال علي، القادم من باكستان بعد يوم كامل من مشقة السفر، الأثر الذي تركته فيه هذه الاستضافة، "أكلت عندهم التمن البرياني، وشعرتُ أن هذا الطعام العراقي له نكهة خاصة تزيل التعب".

وتروي زائرة مُسنّة من إيران كيف استوقفها منظر العجين بين يدي أم علي تحديداً، "رأيتها تعجن وسط هذا الحر كأنها تعجن لأبنائها في البيت، لا لآلاف المارة كلّ يوم"، وتعزو ذلك إلى حب الإمام الحسين عليه السلام.

وحين يغيب قرص الشمس أخيراً عن سماء زرباطية، وتطفأ نار الأفران المؤقتة التي نصبتها المواكب على جانب الطريق، تعود أم علي إلى الطحين المتبقي، تُغطّيه استعداداً ليوم غد، وتقف قليلاً تراقب آخر الزائرين وهم يكملون طريقهم نحو كربلاء المقدسة، وسط أضواء المواكب الخمسة والثلاثين المتجاورة التي لا تزال بعضها توزع الشاي والمثلجات لمن تبقى من الزائرين.

المناطق الخضراء


يواصل أحمد ورفاقه طريقهم في ناحية جصان التابعة إلى قضاء بدرة في محافظة واسط وهي تبعد عن بدرة 4 ساعات سيراً على الأقدام ونحو خمسة عشر كيلو مترًا.

وتتميز ناحية جصان بأنّها منطقة خضراء تعجّ بالحياة وتحيط البساتين بأزقتها من جهات ثلاث، وتُعرف بجودة وندرة تمورها، لتمتد أمامهم مساحة مفتوحة، خالية من أي مسكن، وسط هذا الفراغ يمشي أحمد، يسمع وقع أقدام رفاقه خلفه، وصوت أحمد القريشي يرتفع بمرثية حسينية تتردد في الفراغ قبل أن تخفت تدريجياً، صدى يرافق المجموعة بطريقة مختلفة عن صمت النهر الذي عبروه قبل ساعات.

وحين يحل المساء أخيراً على أطراف جصان، تكون سواعد الرفاق قد أُنهِكَت، وتستقبلهم أبواب حسينية حجي إسماعيل المفتوحة.

ويشير أحمد إلى، إنّ "هذه العائلة، اعتادت على استقبال زوار الإمام الحسين عليه السلام كلّ موسم منذ سقوط نظام البعث، إذ تهيّئ لهم مكاناً للراحة والطعام، وكأنّ انتظارها لهم جزء من طقس سنوي متجدد".

ويلفت، إلى أنّ "عائلة حجي إسماعيل كانوا يستقبلون الناس في منزلهم ولكنهم شيدوا حسينية لكثرة الزوار وصاروا يستقبلون الناس في الحسينية وما يزالون أيضاً يستقبلون الناس في منازلهم".

يدخل أحمد ورفاقه إلى حسينية الحاج إسماعيل، يخلع نعليه بحذر شديد، مدركاً أن هذا التعب تحديداً، الأثقل من بين كلّ أيام الرحلة، فهو ثمنٌ يُدفَع مرةً واحدةً فقط، في أول يوم، قبل أن يتحوّل المسير بعده إلى إيقاعٍ أخفّ يحمله الجسد بثقةٍ متجددةٍ كلّ صباح.

desc-43d22e2af8851d04.jpeg


يتبع....