تبدو في الأفق صحراء وعواصف ترابية تكاد لا تتوقف وبوابات حدودية وأشعة شمس حارقة عند منفذ زرباطية الحدودي مع إيران، ومن البيئة الصعبة يهيِّئ محمد الحسيني مسؤول إدارة مُجمّع العتبة العباسية المقدسة في زرباطية ملاكات المُجمّع لاستقبال مئات آلاف الزوار إلى العراق بشكل يومي في شهر صفر.
الحسيني يجري جولته اليومية بين وحدات المُجمع، مُتنقلا بين النار والثلج والقاعات المكتظة، كمن يراقب آلة ضخمة لا يجوز أن تتوقف ولو للحظة، ويصف فلسفة هذا المكان بجملة تختصر كلّ ما يراه في جولته، "نحن موجودون على مدار الساعة في خدمة الزائرين الكرام".
ويشير الحسيني إلى، أنّ "هذا المُجمع يُعدّ أول منشأة خدمية عراقية يراها الزائر بمئتين إلى ثلاثمئة متر بعد أن يختم جوازه".
المُجمع جاء تنفيذاً لتوجيهات المتولي الشرعي للعتبة العباسية، السيد أحمد الصافي، بإنشاء مُجمّعات خدمية تكون الأقرب للزائرين وتشكل واجهة حضارية لهم، وصُمّم بالكامل بأيدي ملاكات العتبة العباسية المقدسة، على مساحة ثلاثة آلاف متر مربع، منها 2030 متراً مساحة بنائية، قبل أن يبدأ الزائر رحلته الطويلة نحو كربلاء التي تبعد 350 كيلومترًا.
يعرف الحسيني هذه المسافة جيداً، ويكررها كلما استقبل موكباً جديداً من الوافدين: "نحن أول ما تراه عيونهم في العراق، وآخر ما يودعهم قبل طريق طويل".
وفي جولته يتوقف الحسيني أولاً عند وحدة الأفران، حيث يعمل الحاج عمار نشأت، البالغ سبعة وأربعين عاماً، وسط حرارة مضاعفة تجمع بين شمس الصحراء ولهيب الأفران الثلاثة العاملة في آن واحد، فرن الصمون الكهربائي بمساحة أربعين متراً وينتج 5700 قطعة يومياً، ومخبز التنور الطيني بمساحة 20 متر ينتج 2800 خبزة، والمخبز الدوار بالمساحة ذاتها تقريباً ينتج 2850 خبزة أخرى، أي ما يقارب 11350 رغيفاً يومياً.

ويقول الحاج عمار نشأت، مسؤول وحدة الأفران في المجمع بابتسامة يصف فيها دافعه الحقيقي، "فهمنا بعد هذه السنوات الطويلة أنّ العطاء الأمثل هو العطاء من أجل الآخرة، والدنيا هي محطة توصلنا إلى الآخرة، فهي منتهية مهما طالت".
ويضيف نشأت، "ملاكات وحدة الأفران تتكون من 4 في كل مخبز وقد يزداد العدد إذا احتجنا إلى أشخاص آخرين".
من الأفران، يعبُر الحسيني إلى الجهة المجاورة في المجمع، ليرى منتظر رزاق في معمل الثلج، محولاً الماء المقطر والملح إلى قوالب جليدية تصمد أمام حرارة الصحراء.
ويقول منتظر رزاق مسؤول وحدة معامل الثلج في المجمع، "ننتج 305 قالب ثلج، كلّ أربعٍ وعشرين ساعة، عبر منظومة مياه مقطرة وخزانات خاصة بالمعمل وحده".
يقف الحسيني للحظات عند هذا التناقض الحراري الذي يعرفه جيداً من كثرة جولاته، نار مستعرة في طرف، وماء يتجمد في طرف آخر، ليلتقي الاثنان لاحقاً على مائدة زائر واحد لا يعرف أن وجبته وكأس من العصير البارد خرجا من قلب صحراء لا ترحم، ويعلّق الحسيني على هذا المشهد بقوله، إن "المطبخ المركزي وحده يقدّم يومياً ما بين 30 و45 ألف وجبة غذائية، رقم يراقبه بنفسه يتغير صعوداً كلّ يوم بحسب كثافة تدفّق الزائرين، دون أن يسمح لنفسه أو لفريقه بالتوقف ولو ساعة واحدة طوال أيام الزيارة الأربعينية".
يكمل الحسيني جولته نحو القاعات الثلاثة، للرجال، والنساء، والضيوف والتشريفات، كلّ واحدة بعرض ثمانية أمتار وطول خمسة وعشرين متراً، تستوعب الواحدة منها بين 500 و750 شخصاً.
فيدخل قاعة الرجال ليطمئن على جاهزيتها لصلاة الجماعة القادمة، ويتفقّد وجود المبلغين من الحوزة العلمية ومن القسم التوجيهي العقائدي في الفرقة، الذين يتناوبون على إقامة المجالس الحسينية فيها على مدار الساعة.
من هناك، يمر على وحدة حفظ النظام، حيث تعرض عليه شاشات المراقبة حركة الوافدين في اللحظة ذاتها، ويلقي نظرة على قاعة الاجتماعات التي يستخدمها للقاء الوفود الرسمية وأحياناً لعقد لقاءات تنسيقية مع فرق العمل، إلى جانب 58 مجموعة صحية موزعة بين الرجال والنساء، يتأكّد بنفسه من نظافتها الدورية.

عشرات المتطوعين
وخلف هذا المشهد يقف أمير نافع الذي يبلغ من العمر واحد وثلاثون ربيعاً، المتطوع الذي يخدم هذا الموكب منذ أربع سنوات، ومسؤول المركزية التطوعية في قضاء بدرة في محافظة واسط، الذي بدأ التحضير لهذه اللحظة قبل أشهر من وصول أول زائر إليها.
يبدأ عام أمير في الأول من صفر، حين لا يزال صدى عاشوراء حاضراً في كل بيت، إذ يتوجه مباشرة إلى الموكب ليجهزه وينظف المجمع ويديمه، قبل أن يهيّئ المواكب التابعة له.
ويصف أمير هذه البداية المبكرة بعبارته الخاصة، "نبدأ استعداداتنا من الأول من صفر، إذ نعمل على تجهيز الموكب والمجمع".
إلى جانب هذا العمل الميداني، يتولى أمير مهمة أخرى وهي استقطاب متطوعين من بدرة نفسها، يتجاوز عددهم في بعض الأعوام خمسة وعشرين شخصاً، وبلغ هذا العام عشرين متطوعاً يستمرون إلى ذكرى وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله.
هذا الموكب يعمل ضمن مجمّع أكبر بكثير، يديره محمد الحسيني في زرباطية.
ويعلّق الحسيني، إنّ "باب التطوع يُفتح مع كل زيارة أربعينية، بالتعاون مع فرقة العباس القتالية، على وفق واجب يُكلّف به المجمّع سنوياً".
باشر فريقه منذ شهر محرم بالإجراءات الإدارية وتهيئة قاعدة البيانات والتدقيق، وصولاً لإصدار هويات تعريفية للمتطوعين، قبل أن يباشروا فعلياً مطلع صفر بتنظيف مرافق المجمع وصيانتها وتهيئة قاعاته لاستقبال الضيوف.
ويفصل الحسيني طبيعة عمل هؤلاء المتطوعين يوماً بيوم، "منهم من يقف في المطبخ منذ ساعات الفجر الأولى يخبز الخبز بيديه ليصل طازجاً إلى مائدة الطعام، ومنهم من يتولّى تنظيف القاعات وترتيبها استعداداً لموجة الزائرين التالية، ومنهم من يعمل خارج أسوار المجمع في تنظيم حركة المدينة نفسها، بالتنسيق المشترك بين العتبة العباسية المقدسة وفرقة العباس القتالية، لضمان انسيابية وصول الزائرين من الحدود إلى مركز الاستقبال دون ازدحام".
ومع الخامس من صفر اليوم ذاته الذي يُفتَتَح فيه الموكب بحسب أمير يبدأ هذا الجهد المشترك.
ويبين الحسيني حجم هذا العمل الجماعي بوصفه "كبيراً وأساسياً"، مشيراً إلى أنّ "نحو 150 متطوعاً موزعين على هذه المهام كافة".
بين الزائرين العابرين، يصف السيد كمال صداق البالغ من العمر 33 عاماً، قادماً من مدينة قم في إيران نحو كربلاء المقدسة، وصوله بعد ساعات من التعب، "دخلت وأنا أشعر أن قدمي لن تحملني خطوة أخرى، وخرجت وكأنّ الطريق بدأ من جديد".
وتروي الزائرة أم كاظم برفقة أطفالها الثلاث كيف وجدت في قاعة النساء ملاذاً آمناً مريحاً، "نام أطفالي هنا نوماً عميقاً، وأنا أشكر العتبة العباسية المقدسة على تهيئتهم هذا المكان المكيَّف في هذه الأجواء اللاهبة".
في نهاية هذه الجولة اليومية، يقف الحسيني عند مدخل المجمع من جديد ليرى الزائرين المنهكين كيف يخرجون وقد تبددت مظاهر التعب عن وجوههم.
يعلّق الزائر عباس رضائي الذي يبلغ من العمر ستين ربيعاً، "منذ سنوات وأنا آتي عبر هذا المنفذ في رحلتي لأداء مراسيم الزيارة الأربعينية".
مبينا، "ساهم افتتاح مجمّع العتبة العباسية الخدمي في منفذ زرباطية عام 2024 في التخفيف بشكل كبير عن عاتقنا".
يراقب الحسيني عند النقطة ذاتها التي يعبر منها كلّ زائر قادم من الحدود المشهد الذي يتكرر أمامه منذ سنتين، أفران لا تكف عن الخبز، وماء يجمد في صمت، وقاعات تفرش وتفرغ وتملأ من جديد، وكل ذلك تحت إشرافه المباشر.
بينما يهمس لنفسه بما يقوله لكلّ من يسأله عن سر استمرار هذا المكان دون توقف، "خدمة الزائرين هي دافعنا؛ لذا فهذا المكان لا ينام، لأنّ الزائر القادم لا يعرف موعد وصوله، وواجبنا أن نكون جاهزين قبل أن يسأل".