صباح كلّ يوم خميس اعتاد الحاج أبو سعد الدليمي أن يلملم بعض متطلباته الشخصية للسفر إلى كربلاء المقدسة.
هو مراس طالما عشقه الحاج أبو سعد وأنس به، ففي كلّ الأوقات وفي أصعب الظروف وأحلكها، حاملًا معه قلبًا رحيما مُشفقا مُحبا دالًّا على فعل الخير، يسلّم على الزائرين، ويجفف عرقهم، ويلاطف أبناءهم ويقدّم لهم الحلوى، ويصفّ أحذيتهم، ويدعوا لهم بالعودة إلى أرض الطفوف، وألّا تكون هي الأخيرة.
في مقابل ذلك هو لا يطلب من زوار أبي عبد الله الحسين وأخيه الإمام العباس عليهما السلام، إلّا الدعاء له، ولجميع الخدّام في قبول الأعمال وغفران الذنوب.
كيف لا يكون ذلك، وهو كما يصف "في موضع استجابة الدعاء، ونزول الرحمات، التي خصّ بها الله سبحانه وتعإلى أولئك الزائرين الوافدين إلى قبر سيد الشهداء عليه السلام ليلة الجمعة".
الحـاج خـضير علـوان حـسنين الدليمي المُكنّى (أبو سعد الخادم)، هو أحد خدّام أهل البيت عليهم السلام، مـن مواليـد (1956)، مدينة بابل - المسيـب - محلـة البـو حمـدان.
ويعزو أبو سعد ذلك المنحى إلى حقيقة خالـدة في مـوروث ونسـب عائلته.
ويروي أنّ عائلته تنحدر مـن معتقـد آخـر؛ يدين بمذهب أبنـاء السـنة والجماعة، ولكن قبل أكثر من قرنين من الزمن تقريبا حدثـت مـع الجد السادس كرامة تُنسب لأهل بيت الرحمة عليهم السلام، دفعت بهم إلى اعتناق فكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام".
مُعلّقا، "تلك الكرامة غيرت بوصلـة ومعتقـد العائلـة بـشكل جـذري، حتى أصبحنـا ولله الحمـد من المخلـصين المـوالين لنسل النبي المصطفى عليه وآله أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، بعدما كُنّا من المعاندين والمبغضين".
من أوائل المتطوعين
ويشير الحاج أبو سعد إلى أنّه من أوائل المتطوعين العاملين في الخدمة الحسينية على مستوى العتبة الحسينية.
قائلًا، "هذا المشـوار بدأ في العام (2007)، بواسـطة الشـيخ أحمـد الصـافي حفظه الله، والسيـد أفضـل الشـامي، والشـيخ محمـد أبـو دكـة، ولمـدة ثلاث سـنوات متتاليـة خَدَمت في قسـم الشـؤون الخدميـة التابع للعتبـةً الحسينيـة المقدسـة، وتحديـًدا في الكيشـوانية.
ويصف أبو سعد خدمته في هذا المكان "نافذة من نوافذ الخدمة الحسينية التي تقرّبه إلى الله جلّ وعلا، وهي شكل من أشكال التربية والترويض للنفس لتنقيتها من الكبر".
لافتا، "مع مضيّ الأيام اقترح علينا سـماحة الشـيخ عبـد المهـدي الكربلائي (حفظه الله) الانضمام إلى ملاكات العتبـة الحسينيـة بـشكل رسمي، وهذا ما لم أؤيده لأسباب مختلفة".
معلّلا، "السبب الأول، لأنّي متقاعد، والسبب الثاني، إنّي انظر للخدمة الحسينية على أنّها شرف لا يدانيه شرف، حيث أكون في حضرة سيـدي ومـولاي الإمـام الحـسين عليه السلام، خامـس أهـل الكسـاء، وسبط النبي الهـادي المهـدي".

الالتحاق بزيارة الأربعين
وانضم أبو سعد مع فريقه الذي يتكون من عشرات الشبان إلى فرق المتطوعين للمشاركة في إحياء مراسم زيارة الأربعين، معلّقا، "العمل الطوعي في العتبات الدينية المقدسة له سياقات غير تقليدية بالمرة، وهي خارج دائرة الزمان والمكان وهوية ذلك العمل".
ويضيف، "أوقـات الخدمة تكون محدودة بأيـام الخميـس والوفيـات والزيـارات".
مستدركا، "في أيام زيـارة الأربعين يطول مقـامي في كربلاء لأيام متواصلة".
في مقابل ذلك أعلنت العتبة العبّاسية المقدّسة أنّ عدد المتطوّعين المشاركين في الخطط الصحّية والخدميّة والتنظيميّة لزيارة الأربعين لهذا العام بلغت 10162 متطوّعًا، عملوا على وفق نظام الوجبات مع ملاكات العتبة المقدّسة، لتقديم الخدمات للزائرين.
وتُعدّ الزيارات المليونيّة في كربلاء المقدّسة من المناسبات التي تتطلّب جهودًا كبيرة، لا سيّما على صعيد العمل التطوّعي، الذي توليه إدارة العتبة العبّاسية المقدّسة اهتمامًا بالغًا.
ووفّرت العتبة المقدّسة جميع المستلزمات اللّازمة للمتطوّعين، من أماكن خاصّة لاستراحتهم والمبيت فيها بعد الانتهاء من أعمالهم.
يشير أبو سعد، "على الرغم من تواجد آلاف المتطوعين حاليا في كربلاء المقدسة، إلّا أنّ هناك أعداد كبيرة قادمة من المحافظات العراقية ستلتحق بالخدمة".
مبينا، "المئات من هؤلاء الخدّام يفضلون المشاركة في الزيارة بالسير على الأقدام، قبل أن يتوجهوا للمشاركة في الخدمة التطوعية".
مستدركا، "أنا انتظر الشاب حسين منير ورفاقه القادمين من مدينة البصرة، وأيضا صديقي أبا كيان وموكبه الكبير القادم من مدينة كركوك، فضلًا عن صديقي أحمد جاسم ورفيقه القادمَين من الحدود الإيرانية في زرباطية".
ويكمل أبو سعد بكلمات تتسلل منها علامات الاشتياق، "لقد اتفقنا من الزيارة الماضية على اللقاء في كربلاء بهذه الزيارة".
تتنوع مسارات الخدمة التطوعية
ويرى أبو سعد أنّ "أهم ما في مراحل الخدمة الحسينية وأكثرها قربًا إلى قلبه التماس المباشر مع الزائرين، والوقوف على حاجتهم ومتطلباتهم والسهر على راحتهم".
مبينا، "العمل الطوعي في العتبات الدينية له نكهة خاصة وهي غير مُقيدة في حدود العتبات المقدسة في كربلاء بل يتعداها إلى مراقد أخرى".
فيقول، "مـن رحمـة الله علينـا وتوفيقـه أنّ خدمتنـا شملت بـاقي المراقد المقدسـة داخـل العـراق وخارجـه".
موضحا، "لـدي خدمـات أخـرى في العتبـة العلويـة المقدسـة، وأيضـا في مرقـد العلويـة شريفـة بنـت الإمـام الحسـن عليهما السلام".
ويكمل، "عملنا أيضا في خدمة العتبات المقدسة في إيران بمرقـد الإمـام الرضـا، والسيدة معصومة عليهما السلام".
مشيرًا، "أمّا في مقـام السيـدة زينـب الكبرى عليها السلام، فكانـت الخدمـة غير رسمية، وحتى في مدينـة الرسـول الأعظـم صلى الله عليه وآله وسلم، قدّمنـا شكلًا من أشكال الخدمة الطوعية، ولكـن بـشكل غير رسمي".

من جهته يعلق المتطوع علي منديل من أهالي المشخاب قائلًا، إنّ "الحاج أبا سعد الخادم قصة من قصص الخدمة الحسينية، عمل مع العديد من الهيئات... هيأة الحوراء زينب عليها السلام، وهيأة أمّ البنين عليها السلام، وهيأة أبي الفضل العباس عليه السلام، وأسماء أخرى".
ويضيف، "ميدان عملنا التطوعي في العتبات المقدسة، سواء أكان في داخل العراق أم خارجه، لا يتقيد بزمان أو مكان أو عنوان".
في السياق ذاته حدّثنا الحاج أبو واثق حازم الإبراهيمي من أهالي بغداد، منطقة الوشاش، "عن رمزية تلك الشخصية ودلالات حضورها المستمر في المزارات الدينية، حتى أصبحت مع مرور الأيام حالة مائزة يُحتذى بها، وإلّا كيف نفسر تلك الأعداد الكبيرة من الخدّام ومن الهيئات التطوعية، التي يصل فيها العدد في إحدى الهيئات إلى آلاف المتطوعين".