image alt

عندما ترمي كربلاء أقفال أبوابها

عندما ترمي كربلاء أقفال أبوابها

عند منتصف الليل وعلى بعد كيلومترات قليلة من مرقد الإمام الحسين عليه السلام، تتلاشى الحدود بين الغريب والقريب، ويبهت مفهوم السعة الاستيعابية للمدن.

هنا في كربلاء المقدسة، مع كل زيارة مليونية، سواء أكانت الأربعينية أو النصف من شعبان، تتغيّر خارطة الجغرافيا الاجتماعية لمدينة كربلاء المقدسة.

فالمدينة التي تستضيف أكثر من 20 مليون زائر في أيام معدودة، الجواب لا تملكه الفنادق والمؤسسات السياحية التقليدية، بل تصنعه إرادة محبي زيارة الأربعين، التي تحول المنازل والحسينيات والمواكب إلى منظومة إسكان مفتوحة بلا أقفال ولا قوائم انتظار.

 في منطقة العباسية داخل من المدينة القديمة، يقف الحاج أبو ميثم 62 عامًا أمام باب منزله المكون من طابقين، ممسكا بيده رشاش ماء خفيف لترطيب الجو، بينما تعلو وجهه ابتسامة ترحيب متواصلة.

يقول الحاج أبو ميثم وهو يشير إلى الصالة الرئيسية داخل منزله وقد فرشت بالكامل بالأفرشة والوسائد، "في الأحوال العادية نعيش هنا أنا وزوجتي وأبنائي الأربعة، أمّا اليوم فالبيت يتسع لأكثر من 60 زائرًا من مختلف المحافظات العراقية والدول الأخرى".

قصة الحاج أبي ميثم ليست استثناءً، بل هي القاعدة الذهبية التي تحكم مدينة تستقبل سنويا عشرات الملايين من الزائرين، في ظاهرة إسكانية فريدة من نوعها على مستوى العالم.

بدوره يعلق الحاج أحمد الكربلائي 58 عامًا، إنّ "أصحاب المنازل المتاخمة للطرق المؤدية إلى الصحن الشريف، وفي الأحياء القريبة والبعيدة من كربلاء المقدسة، يعترضون طريق الزائرين ممن قدموا سيرا على الأقدام ويلحّون بطلب استضافتهم ".

مضيفًا، "بطبيعة الحال الأمر لا يقتصر الأمر هنا على توفير أماكن النوم، بل يشمل غسل الملابس، وكيّها، وتوفير الشواحن والمستلزمات الشخصية، ودورات المياه، في منظومة خدمة متكاملة تقدم بابتسامة وترحاب مجاني تام".

مبينا، "تسجّل منظومة الإسكان في الأربعين حالة استثنائية في التاريخ المعاصر، إذ يلتقي فيها ملايين الزائرين من عشرات الجنسيات والجغرافيات الثقافية المتنوعة، ليجدوا جميعا مأوى كريماً دون دفع فلسا واحد".

desc-a2020a913fa9c1d1.jpeg

مدن الزائرين والمجمعات الخدمية


مع تدفق الملايين تُعدّ عملية إسكان الزائرين في كربلاء معجزة لوجستية تشترك فيها جميع قطاعات مختلفة لا سيما العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، إذ تُفتَح مدن للزائرين، على المحاور الرئيسة المؤدية للمدينة من محور النجف، محور بابل، محور بغداد.

فقد شُيدت مدينة الإمام الحسن المجتبى، ومدينة الإمام الحسين، ومدينة سيد الأوصياء، وأيضا شيدت صحون التوسعة الجديدة، والمساجد والمدارس الدينية، وحتى الملاعب والمخازن التابعة للعتبات لتوفير أماكن الإقامة للزائرين.

يقول السيد حسين تمكين صبار مدير مجمّع الشيخ الكليني (قدس سره) التابع للعتبة العباسية المقدسة، إنّ "الخطة تتضمن تهيئة أماكن الضيافة والإيواء، وإعداد قاعات خاصة للاستراحة والمبيت، مما يضمن توفير بيئة مناسبة لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزائرين".

مبينا، "المجمّع يقدم ثلاث وجبات طعام يوميًّا، فضلًا عن الوجبات البينية، مع توفير المياه الصالحة للشرب، والخدمات الصحية بالتعاون مع قسم الشؤون الطبية، لضمان تقديم رعاية متكاملة للزائرين".

وأوضح مدير المجمّع، أنّ "الاستعدادات لم تقتصر على الجوانب الخدمية، بل شملت أيضًا المشاركة في الموكب الثقافي العام الذي تقيمه العتبة المقدسة بالتنسيق مع عدد من أقسامها، في إطار تعزيز الجوانب الثقافية والتوعوية المصاحبة لزيارة الأربعين".

desc-f11faf9551cfbda2.jpeg

التضامن الاجتماعي في أبهى صوره


في وسط هذا الزحام المقدس الحاجة أم أحمد، أرادت أن تمارس دورها المعهود والمتكرر سنويا في استضافة وإيواء زائري الإمام الحسين عليه السلام في الأربعين، وهي معلمة متقاعدة من سكان حي الحسين.

مبينة، "نبدأ التحضير لزيارة الأربعين قبل شهر كامل، نجمع الأغطية، ونجهز المؤن، ونعيد ترتيب الغرف، الأطفال ينامون في غرفة واحدة صغيرة، ونترك باقي المنزل للزائرات والأطفال القادمين من أماكن بعيدة، الإسكان بالنسبة لنا ليس مجرد تقديم مأوى، بل هو عقيدة ووفاء".

"حين يدخل الزائر إلى أحد بيوت كربلاء لا يُعامَل كضيف عادي، بل كبركة حلت على الدار"، هذا ما قالته الحاجة أم علي، التي تسكن في حي السعدية القريب من الصحن الحسيني الشريف وهي تصطحب أبناء بنتها الأرملة وهم بأعمار صغيرة".

مضيفة، "سنويا نأوي في بيتنا الصغير والمتواضع تقريبا 30 زائرة من مختلف المحافظات والدول العربية، نحن فقط نستقبل النساء، لأنّ البيت ليس فيه رجال، لنقدم إليهنّ الطعام الدافئ، ونوفر لهن المستلزمات الطبية لمعالجة تقرحات القدمين نتاج السير لمسافات طويلة".

موضحةً، "من ثم نعمد لأخذ ملابس الزائرات وغسلها وتجفيفها وتعطيرها، وتهيئة الغرف بالأغطية والفرش لمنام الزائرين".

مستدركةً، "النساء يحملن العبء الأكبر داخل أروقة المنزل من طهي الوجبات، وغسل الملابس، وتجهيز الأفرشة والأغطية، وتوفير الخصوصية التامة للعائلات، أمّا الأطفال والفتية ينتشرون عند أطراف الأزقة لتوجيه الزوار الإيرانيين أو التائهين، وتحميل أمتعتهم وتقديم الماء والعصائر لهم".

desc-963deffdad264bba.jpeg

ظاهرة كرم عابرة للحدود


هذا الإرث هو نتاج ثقافات عربية إسلامية أصيلة تمسك بها المجتمع العراقي دون سائر المجتمعات، بحسب وصف الحاج رضا الأصفهاني من أهالي أصفهان، الذي علق قائلا، "إسكان زوار الأربعين يمثل أعلى درجات العطاء الشعبي والتماسك الاجتماعي، حيث لا ينظر للزائر كنزيل بل كضيف شرف".

مضيفًا، "يسعى الأهالي عن طريق ذلك لنيل شرف خدمته، لتتحول المساحات والبيوت طيلة أيام الزيارة إلى ملاذات آمنة تحتضن الملايين بقلوب مفتوحة وقبل الأبواب".

مبينا، "تتجاوز شعيرة إيواء الزائرين إلى مفهوم تقديم الخدمة المجردة لتصبح حاضنة لتواصل إنساني وثقافي عابر للحدود، داخل الغرفة الواحدة تجد زائر من البصرة يتبادل أطراف الحديث مع آخر من أصفهان أو لبنان أو القطيف".

desc-01bcf3fbcb5c83a3.jpeg