image alt

مهمّة البحث عن التائهين

مهمّة البحث عن التائهين


تستغيث امرأة بهلع وسط زحام لا نهاية له، تحاول أن تطلب المساعدة مِن كلّ مَن يمرّ بجانبها، ولكنّ كلّ من حولها يعجز عن فهم اللغة التي تتحدث بها.

تتجاوز المرأة الستين من عمرها، وقد مشت يومين متواصلين وسط طريق يزدحم بملايين الأقدام، معزولة تماماً رغم هذا الحشد الهائل، حتى يقع نظر عباس عبد الستار عليها.

عباس الذي يتولى مهمة مسؤول مركز معهد الكفيل لتقنية المعلومات الكائن في فلكة المحافظة في مركز إرشاد التائهين التابع للعلاقات العامة في العتبة العباسية المقدسة، ويتقن اللغة الفارسية تمكن من فهم بعض ما تقوله المرأة.

اتجه نحوها مستفسرا، فأجابته بصوت متقطع، "فقدت حفيدتي في وسط الزحام".

بالكاد يستطيع عباس التعرف من السيدة على اسم حفيدتها، قبل ان يتعرف على اسم الجدة زهراء محمد.

السيدة الوافدة من مدينة تبريز الإيرانية لإحياء مراسم الزيارة الأربعينية، كان عباس يحاول التواصل معها قدر الإمكان على الرغم من إتقانه اللغة الفارسية، لأنّ المرأة من أهالي تبريز الذين تختلف لهجتهم الفارسية.

بعض الزائرين الإيرانيين واجهوا نفس الصعوبة بالتعرف على لكنة السيدة التبريزية.

كانت عينا السيدة زهراء مملؤتين بالدموع، وهي تبحث دون جدوى وسط حشد لا يفهم كلمة مما تقول، الأمر الذي دفع بفريق المركز بأكمله لمحاولة فك شفرة كلماتها المتعثرة.

تلك الحادثة اختصرها عباس ببعض الكلمات على الرغم من حجم التعقيد الذي واجهوه، قائلا، "جرى التواصل مع المركز الرئيس لإرشاد التائهين الكائن في العتبة العباسية المقدسة، الذي بدوره تواصل مع القنصلية الإيرانية في كربلاء، قبل العثور على حفيدة المرأة".

رحلة اتصالات متعددة الطبقات، عبرت من موظف ميداني واحد إلى مركز رئيسي إلى قنصلية دولة أخرى.

desc-e1e4ed29a705450f.jpeg

يعمل مركز عباس، كغيره من مراكز إرشاد التائهين المنتشرة في كربلاء، بأربعة منتسبين فقط، على مدار أربع وعشرين ساعة كاملة، مقسمين بنظام الوجبات مدة كل واحدة ثمان ساعات.

يشرح عباس أن مركزه مزود بجهاز حاسوب يضم قاعدة بيانات كاملة للتائهين، بالإضافة إلى جهاز نداء مركزي يربطه فوراً ببقية المراكز عند الحاجة.

تنتشر هذه المراكز على ثلاثة محاور استراتيجية تغطي كل الطرق المؤدية إلى المدينة، محور النجف-كربلاء، ومحور بغداد-كربلاء، ومحور بابل-كربلاء، إذ لا يبقى مدخل أو مخرج رئيسي الى محافظة كربلاء دون تغطيه.

العتبة العباسية المقدسة بدأت تنفيذ هذه الفكرة عام 2009، حين كانت خدمة إرشاد التائهين محصورة فقط في منطقة ما بين الحرمين، قبل أن تتوسع لتشمل اثنين وأربعين مركزاً موزعة على المحاور الثلاثة كافة.

ويوضح رئيس قسم الاتصالات وأمن المعلومات في العتبة المقدسة، المهندس فراس عباس، أن هذه المراكز "مزودة بشبكة بيانات متكاملة ترتبط مباشرة مع السيطرة المركزية المشتركة بين العتبتين المقدستين في كربلاء".

مضيفاً، "الاستعدادات السنوية تشمل تنصيب شبكات الحاسبات، وتشغيل برمجيات قواعد البيانات، وتفعيل الأجهزة اللاسلكية وهواتف شركة الكفيل المجانية، إلى جانب اعتماد قواعد بيانات مشتركة مع العتبة الحسينية".

desc-c83305286191cedc.jpeg

خلف هذا كله، يتكفل مركز التطبيقات البرمجية الإسلامية، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية، بإدارة الجانب الرقمي لتطبيق "حقيبة المؤمن"، الذراع الإلكترونية لخدمة إرشاد التائهين وذويهم.

يبين عباس أن الحالات التي يتعذّر العثور على ذويها بسرعة تنقل للإيواء وتتكفل بها الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة نفسها، وهذا ما حدث مع حفيدة السيدة زهراء.

ويضيف، "النداء المركزي لا يقتصر على حالات التيه وحدها، إذ يمتد ليشمل الحالات المرضية الحرجة، أو حين يفقد أحد الزائرين احتياجاً ضرورياً، إذ يمكن عبره استدعاء سيارة إسعاف أو دورية شرطة في دقائق".

تفتح هذه المراكز أبوابها في اليوم الأول من شهر صفر كل عام، لتستقبل يومياً آلاف الأشخاص الضائعين عن ذويهم وسط الزحام الهائل الذي تشهده المدينة.

desc-e33960daa256b9b2.jpeg