جرت العادة أن يستيقظ أحمد ومجموعته قبيل صلاة الفجر، ولكنّ هذه المرة أخبرهم حسين خلف أنّ هنالك جامع قريب يصلّي به كلّ يوم، أخذو أمتعتهم إلى الجامع وأكملوا صلاة الجماعة ليودعوا أحمد جاسم إسماعيل وأصدقاءه حسين خلف الكائن في طرف النعمانية.
لم يفوّت أحمد مكالمته اليومية المعتادة مع أصدقائه، اطمأنّ فيها على حالة حسين منير، وأوضاع قافلة أبي كيان، وأخيرا أوضاع مدينة كربلاء المقدسة وزائريها من اتصال أبي سعد الخادم.
يتوجه الرفاق أولاً نحو منطقة تحمل اسماً يعرفه كل أبناء واسط جيداً، وهي قطعة سيد مالك.
سُمّيت هذه الأرض نسبة إلى السيد مالك الياسري الذي يعود نسبه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهو أحد وجهاء آل ياسر الكبار الذين عاشوا في النعمانية، جعلت مكانته الاجتماعية والروحية بيته مقصداً لأبناء عشائر عراقية عِدّة، حتى سُميت باسمه قرية كاملة ومركز صحي بعد رحيله.
تختلف طبيعة هذه الأرض جذرياً عن بساتين النعمانية الكثيفة، إذ تنكشف هنا مساحة صحراوية مفتوحة تماماً، خالية من أي غطاء نباتي دائم سوى شجيرات متناثرة تصمد أمام جفاف التربة.
المواكب المنتشرة على الطريق تمثّل محطات استراحة مختلفة في هذه القرية فأجهزة التبريد منصوبة في الشارع العام، وأهالي القرية وملاكات المواكب عمدوا على تغطية الشارع بالأقمشة البيضاء ليخففوا أشعة الشمس عن ملايين المشاة إلى كربلاء المقدسة.
بعد ساعات من هذا العبور، يصل الرفاق إلى قرية "أربعة"، منطقة ريفية بسيطة تعتمد على الزراعة الموسمية المحدودة، إذ يستقبلهم رجل كهل بعمر السبعين عاماً يُدعى الحاج جواد الكاظمي وهو من أهالي منطقة الكاظمية في بغداد يصر أن يقوم بنفسه ليخدم من يمر بباب موكبه.
يتوقف أحمد جاسم عند هذا المشهد في عقله وقلبه قبل قدميه، "ترى رجلاً كبيراً في السن، ومع ذلك تراه يقوم ويخدمك بنفسه، فهذا شيء ثقيل الوزن حقاً".
ويبيّن، "نحن أهالي القرى نرى الكهل مَلكاً إذ يجب أن يخدمه الجميع وهذا ما تعلمناه من الإسلام".
يبيت الرفاق تلك الليلة عند الحاج جواد الكاظمي.
حين يدخلون موكبه يجدون فيه ثلاثة رجال دين يجيبون عن الأسئلة الشرعية وقد قدموا محاضرة دينية عن مكارم الأخلاق.
من قرية أربعة، يصل الرفاق إلى جسر على نهرٍ يعبرون عليه يُدعى النهر المالح، وهو مجرى مائي متواضع الحجم استُصلِحَت به أراض زراعية محيطة، يحمل ملوحة واضحة في تربته تُبرر تسميته، ويشكل الحد الفاصل الطبيعي بين أراضي قضاء النعمانية في محافظة واسط وأراضي ناحية الشوملي في محافظة بابل.
يدخل أحمد ورفاقه بعدها ناحية الشوملي، البوابة الجنوبية الشرقية لمحافظة بابل، وهي حدودية مع محافظتي الديوانية وواسط، يحدها من الغرب شط الحلة، أحد فروع نهر الفرات.
في هذه المنطقة تنتشر المواكب الحسينية والمفارز الطبية وسيارات الإسعاف، لأنّ أغلب القادمين من الجنوب يمرون في هذه المنطقة.
هذا المكان يستقبل ناسًا يمشون منذ أيام طويلة تصل إلى العشرة أو الخمسة عشر يوماً، لذا فإن الفرق الطبية استنفرت مسبقا لتعالج المصابين بالإعياء العصبي أو العضلي.
الشوملي تمتلك طبقات تاريخية عميقة، إذ تنتشر في محيطها تلال أثرية متعددة يُعتقد أنها بقايا قصور تعود للعصر البابلي، لم يكتمل التنقيب فيها بعد، بينما سُمّيت الناحية نفسها نسبة إلى نهر صغير حُفر في القرن التاسع عشر ليروي أراضيها الزراعية.

البراكية
وسط هذا المزيج من الأثر القديم والزراعة الحديثة، تستقبل قرية صغيرة تُعرف محلياً بالبراكية، تكثر فيها بساتين النخيل، وتفوح رائحة التراب المبلل بمياه الري، وتنشتر فيها المواكب المتراصة.
أهالي هذه المنطقة معروفون بكرمهم، حتى في زمن النظام البعثي كان أهالي هذه المنطقة يستقبلون الزوار.
يقول أحمد أحد سكان القرية، "والدي روى لي حين كان يأتي بخفية ليزور الأمام الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين كان سكان هذه المنطقة يستقبلونني ويضيفوني".
على عتبات البيوت هنا، تجلس نساء يفصلن أوراق النعناع للشاي، مستعدات لاستقبال أول الزائرات والرجال على الجانب الآخر يستقبلون الزائرين.
يستشهد أحمد بتعليق سمعه من أحد الزائرين عن كرم أهالي هذه المنطقة، أنّ "أحدهم يغسل لك ملابسك، وآخر يجلب لك الطعام، وآخر يقدم لك الشاي، ويحاولون توفير كل ما تحتاجه".

طريق يا حسين
يواصل أحمد ورفاقه طريقهم نحو الجنوب الغربي باتجاه قضاء الهاشمية، الواقع على الحافة الغربية لنهر الفرات مباشرة.
يتميّز هذا القضاء بمناخ معتدل نسبياً مقارنة بجيرانه، لا تتجاوز حرارته الـ45 درجة صيفاً وبالنسبة للزوار القادمين إلى كربلاء درجة الحرارة هذه تعني انخفاضًا نسبيًّا، لأنهم قضوا طريقاً مفتوحاً على الأسفلت ترتفع فيه درجة الحرارة إلى الـ50.
وتحيط به أراض زراعية خصبة تمنحه طابعاً ريفياً هادئاً، وهو أيضاً نقطة التقاء مهمة بين الطريق السريع الدولي وخط سكك حديدية يربط شمال العراق بجنوبه، وطريق يعرفه أهل المنطقة باسم "طريق الحسين".
عند طرف إحدى قرى الهاشمية، يقيم الحاج سعد كاظم، مزارع خمسيني ورث عن والده قطيعاً صغيراً من الإبل، ويحمل تقليداً بدأه الأب بجملٍ واحد كل موسم، قبل أن يتوسع الابن فيه حتى بلغ اليوم أربعة جِمال كاملة، تُذبح جميعاً لإطعام الزائرين المارين ببيته.
يبدأ استعداده قبل أسابيع طويلة، يجهز فناء بيته الواسع، ويستعين بأبنائه الثلاثة لإدارة قدور ضخمة توضع فوق نيران متتالية.
يصف دافعه بجملة يرددها كل عام، "أربعة جِمال ثمن زهيد أمام ما نناله من بركة استضافة زوار الحسين عليه السلام".
ويشير الحاج سعد إلى، أنّ "لحم البعير حينما يوضع مع حبات الهيل يكون لذيذاً وذا رائحة عطرة".
حين يصل أحمد جاسم إسماعيل ورفاقه إلى هذا الفناء، تفوح رائحة اللحم المطبوخ من مسافة بعيدة.
يجلس الرفاق بين عشرات الزائرين، يتشاركون طبقاً من لحم الجمل، بينما يتنقل الحاج سعد بنفسه بين الموائد، يتفقد كل ضيف.
يقول ابنه محمد، إنّ "العائلة تدّخر لهذا الموسم طوال أحد عشر شهراً".
فيما يقف أحمد القريشي عند طرف الفناء، يرفع صوته بمرثية قصيرة قبل بدء الطعام.
وحين ينتهي الجميع، يطلب الحاج دعوة صادقة من كل من جلس على سفرته.
ويعلق أمير نافع، إنّ "الحاج لا يسمح لأحد بالمرور دون أن يجلس على مائدته فإذا لم يتناولوا طعامه ويتجاوزوه ينزعج كثيراً، ويصل به الحال أحياناً إلى البكاء".

عبور السچة
يخرج أحمد ومجموعته فناء الحاج سعد، ويدخل الرفاق منطقة السچة، مساراً موازياً لسكة حديدية قديمة، أرضاً جرداء تقريباً يندر فيها الغطاء النباتي، ما يجعل المشي فيها شاقاً بطبيعته، لأنّ فيها حصى متناثر وغير مستقر، وعوارض خشبية وحديدية متآكلة.
يبطئ أحمد خطواته هنا أكثر من أي محطة سابقة، بينما يتحول صوت أحمد القريشي إلى إيقاع أبطأ يناسب صعوبة الأرض، فأحمد القريشي يعرف جيداً أن لصوته حاجة هنا لتسهيل مشقة الطريق غير المعبدة.
الزوّار من العوائل والنساء المارّون بهذه المنطقة يحملون أطفالهم على أكتافهم أو صدورهم لأنهم لا يستطيعون أن يحركوا العربات التي تنقل الأطفال.
بعد هذا المقطع الشاق الذي يمر منه آلاف الزوار، تتراجع الأرض القاحلة تدريجياً أمام أولى ملامح العمران الكثيف الذي يميز محافظة بابل ومركزها الحلة، مدينة تحتضن نهر الفرات في قلبها، مُحاطة بكثافة سكانية وزراعية تفوق كل ما عبره الرفاق منذ جصان.
عند بداية المدينة وعند الساعة الثانية عشر مساءً، يجدون أهالي المدينة ينتظرونهم بحفاوة، لينام أحمد ورفاقه هناك، مستعيدين قبل النوم صورة الذكرى التي وضعها فيهم الحاج سعد وليستعدوا للانطلاق في يومهم الأخير الذي سيصلون فيه إلى كربلاء المقدسة.
