ما إن استيقظ أبو سعد من استراحته، التي لم يمضِ عليها سوى ساعتان أو أكثر بقليل، حتى بادر من فوره وقبل كلّ شيء إلى الاتصال بأبي كيان القادم من محافظة كركوك للاطمئنان عليه، وعلى القافلة التي تضمه.
وهو يدرك تماما بأنها ذات طبيعة خطرة وصعبة جدا، مقارنة مع طريق قافلة أحمد جاسم القادم من الكوت، وقافلة حسين منير ذلك الشاب الصغير القادم من البصرة.
بعد الاطمئنان عليهم يحمد الله سبحانه وتعالى ويثنى عليه، إذ سلّم حسين "الصغير" من تلك الوعكة المفاجئة التي ألمّت به، في منطقة الرميثة جنوب العراق.
يباشر أبو سعد بمهامّه الاعتيادية التي في مقدمتها إيقاظ بقية أعضاء الموكب الخدمي الذي يترأسه ليتولى مهمة جديدة في يوم جديد من أيام زيارة الأربعين.
تُضاف إلى سجل خدماته الأخرى التي قدّمها ويقدّمها عن طيب خاطر، وهذه المرة كانت المسؤولية استثنائية شِكلًا ومضمونا.
لا سيما إنها في خانة رسم مسارات دخول الزائرين إلى صحن المولى أبي الفضل العباس عليه السلام، والخروج منه بسلامة ويسر.
حيث تشهد العتبات المقدسة في مدينة كربلاء استنفارا كبيرا قبل أسبوع تقريبا من يوم الزيارة في العشرين من صفر الخير، فجميع إدارات أقسام العتبة وشعبها ووحداتها في إنذار مستمر لتوفير الخدمات لحشود الزائرين المليونية.
يقفُ الحاج أبو سعد مُرتَديا صدرية المتطوع ذات اللون الأخضر الداكن، وابتسامته الواسعة التي لم تنل منها خطوط الزمن، مُلوِّحا بيده للزائرين بحفاوة عراقية أصيلة، يساعد في تنظيم دخولهم إلى الصحن الشريف والحد من الاكتظاظ الحاصل.
يقول الحاج أبو سعد بلهجته البغدادية الدافئة متحدثا عن خصوصية هذا التنظيم، "يعطي مساحة أكبر لعملية دخول وخروج زائري أربعينية الإمام الحسين عليه السلام بانسيابية عالية، وهو في الوقت ذاته يُجنّب إشكالية الاحتكاك والمسارات المتقاطعة، التي تعيق، بل تشلّ حركة الزائرين".
مجسر المشاة
ولأجل تعزيز انسيابية حركة الزائرين وتنظيم مساراتهم عمدت الملاكات الفنية في العتبة العباسية إلى تنصيب مجسرات حديدية للمشاة في أكثر من محور.
هذا ما أفاد به مسؤول شعبة المعادن في قسم الصناعات والحرف الفنية التابع للعتبة العباسية المقدسة، السيد فلاح الصافي.
وقال، "ملاكات الشعبة باشرت أعمال تركيب مجسر المشاة الحديدي في منطقة بين الحرمين الشريفين تحديداً قرب باب الإمام الحسين عليه السلام، ضمن الخطة الخدمية والفنية".
وأضاف، "الأعمال تضمّنت نقل المجسر باستخدام شاحنات من نوع (shacman) خاصة بقسم الآليات التابع للعتبة المقدسة على وفق خطة تنظيمية مُعدَّة مسبقاً لإنجاز العمل قبل موعد الزيارة".
من جهته علق الشيخ زين العابدين عدنان أحمد القريشي معاون رئيس قسم رعاية الصحن الشريف في العتبة العباسية المقدسة، "تمت المباشرة في العمل بالخطة المُعدَّة للزيارة الأربعينية المباركة منذ العاشر أو التاسع من صفر الخير".

مبيِّنًا، "بعد إتمام التحضيرات الخاصة بزيارة الأربعين المباركة، سواء بما يتعلق بالأمور التنظيمية في داخل الصحن الشريف من عمل مسارات خاصة لدخول وخروج الزائرين، أو خطط التنظيف والإدامة، ونشر كتب الأدعية والزيارات، والزيارة المخصوصة لزيارة الأربعين المباركة".
مشيرًا إلى، "إتمام فرش الكاربد الخاص بدخول وخروج المواكب الحسينية من باب القبلة إلى باب الإمام الحسن عليه السلام، وتهيئة المكاتب الموجودة، وتهيئة أروقة الصلاة سواء أكانت صلاة الجماعة، أو الصلاة المُنفردة، فضلًا عن عمل مسارات خاصة لدخول وخروج الزائرات الكريمات من الأبواب المخصصة لهن".
مُكمِلًا، "إلى جانب هذا العمل هناك تعاون تامّ بين أقسام العتبة العباسية بالكامل، وتطبيق نموذجي ومتقدم لأهم تفاصيل الخطة المُعدَّة بحسب توجيهات الإدارة الموقرة، فضلًا عن الأمور الكمالية الخاصة بالعطور والبخور، وتفعيل المكانس الأوتوماتيكية، والحملات اليدوية، وأيضا تفعيل خاصية التعطير الإلكتروني، والتعطير اليدوي بالمرشّات".
مختتما، "لا يمكن أن نتجاهل وجود شعبة خاصة بشؤون المتطوعين، واللجنة المشرفة عليهم، لا سيما وأنّ هؤلاء المتطوعين لديهم خبرات متراكمة من جراء تطوعهم ليالي الجُمَع طيلة أيام السنة، بالنتيجة نحن نستقطب نخبة مختارة من أولئك المتطوعين الذين يخضعون لدورات خاصة".
أيقونة
يقول زملائه في الخدمة، إنّ وجود أبي سعد بينهم يمثل أيقونة للمحبّة والتعايش الإنساني البسيط
فيعلّق أبو كرار أحد الخدّام القدامى في العتبة، "أبو سعد ليس مجرد زميل، بل هو أخ كبير لنا جميعا، يقف معنا في الزيارات المليونية كالطود الصلب، لا يتعب ولا يشتكي، وإذا صلّى بيننا بكى من خشية الله، تعلّمنا منه أنّ الإيمان الحقيقي أكبر من كلّ المسميات".
مضيفًا، "تتنوع مهام أبي سعد بين ترتيب المصاحف وكتب الأدعية، وإرشاد الزوّار، وتنظيم صفوف المصلين، وتأمين الراحة لكبار السن، فهو يمارس عمله بشغف، متناسيا التعب ومُستمتعا بالدعوات التي يطلقها الزائرون له بمختلف لهجاتهم وأطيافهم".
بدوره يرى المتطوع سمير كاظم من أهالي الشعلة ببغداد، أنّ تجربة التطوع لا تقتصر على تقديم الخدمة فحسب، بل تكاد تكون مدرسة في الصبر وضبط النفس، وحسن التعامل، والقدرة على إدارة الأزمات والازدحام الشديد بروح رياضية وأخلاق عالية.
ويقول، "يتلقّى المتطوعون إرشادات دورية عن كيفية التعامل مع مختلف الجنسيات والثقافات التي تتوافد على المرقد الشريف، مِمّا يجعل من صحن المولى أبي الفضل العباس عليه السلام ملتقىً عالمياً للتآخي والإنسانية".
نهاية اليوم
تغرب الشمس في كربلاء، وتُضاء العتبة العباسية بالأنوار الساطعة، ويظلّ أبو سعد واقفًا في مكانه، يمسح الغبار عن دروب الزائرين، ويرسم بحضوره الهادئ واحدة من أجمل صور التآخي العراقي التي تتجاوز حدود الكلمات لتصبح واقعًا يُعاش كلّ يوم، لا سيما ونحن في رحاب أربعينية الإمام الحسين عليه السلام التي تجمع القلوب وتجسّد أسمى معاني العطاء في أرض الرافدين.
