كانت الشمس تميل إلى المغيب حين بدأت قوافل الزائرين تتهادى نحو أطراف آمرلي.
أجساد أنهكها السير مئات الكيلومترات، ووجوه غطتها حرارة الطريق، لكنها ما إن تلامس حدود المدينة حتى يتغير كل شيء.
قافلة أبي كيان كانت ضمن المواكب الحسينية الراجلة التي دخلت المدينة، قبل أن يبادر أهلها إلى التهليل والتكبير عند وصولهم سالمين.
يُخرج أبو كيان هاتفه المحمول، ليتصل على رفاقه الآخَرين المتوجهين إلى كربلاء المقدسة ليطمئنهم على وضع الزائرين، أبو سعد، وأحمد جاسم، والصغير حسين منير.
هنا لا يستقبلهم باب موكب فحسب، بل مدينة كاملة تعرف جيدًا معنى أن ينتصر الإنسان على الخوف.
آمرلي ليست محطة استراحة عابرة على طريق الأربعين، بل ذاكرة عراقية لا تزال تحفظ تفاصيل ثمانين يومًا من الحصار الذي فرضه تنظيم داعش الإرهابي عام 2014.
المدينة التي كادت تُمحى من الخارطة، أصبحت اليوم إحدى أكثر المحطات أمنًا ودفئًا للقوافل السائرة نحو كربلاء.
في تلك الأيام، لم يكن الحصار يستهدف الأرض وحدها، بل كان يستهدف حياة آلاف المدنيين.
أدرك الأهالي منذ اللحظات الأولى أن الاستسلام يعني الإبادة، فتحولت البيوت إلى متاريس، والشوارع إلى خطوط دفاع، وتقاسم الرجال والنساء والشباب مسؤولية البقاء.
كانت النساء يعددن الطعام، ويوفرن المياه، ويضمدن جراح المصابين، فيما وقف الرجال على السواتر دفاعًا عن مدينتهم وأهلهم.
ومع اشتداد الحصار واقتراب نفاد المؤن، بقي الأمل حاضرًا حتى جاءت لحظة التحرير في الحادي والثلاثين من آب عام 2014، حين تمكّنت القوات الأمنية العراقية، مدعومة بتشكيلات الحشد الشعبي، ومن بينها فرقة العباس القتالية، من فكّ الطوق المفروض على المدينة، لتتحول آمرلي إلى واحدة من أبرز محطات الانتصار في الحرب على الإرهاب.
لكن أبناء المدينة لم يجعلوا الانتصار نهاية الحكاية، بل بداية لحياة جديدة.
فما إن وضعت الحرب أوزارها حتى استبدلت آمرلي أصوات الرصاص بأصوات الترحيب، وفتحت أبوابها لزائري الإمام الحسين عليه السلام، لتصبح محطة ثابتة على طريق الأربعين، يستريح فيها السائرون قبل مواصلة رحلتهم نحو كربلاء.

داخل أحد المنازل، لم يكن المشهد مختلفًا عن بقية بيوت المدينة، فرش بسيطة، وأوانٍ ممتلئة بالطعام، وأطفال يتحركون بين الضيوف وهم يحملون الماء والشاي بابتسامات لا تعرف التعب.
منذ عام 2012 اعتاد خادم الحسين عليه السلام، حمزة جواد حسين نصب موكبه لاستقبال الزائرين، بينما بدأ باستضافة موكب أنصار عليّ الأكبر القادم من كركوك قبل ثمانية أعوام.
لا يحصي عدد من استضافهم، لأنّ الخدمة بالنسبة إليه لا تُقاس بالأرقام، بل بما تتركه في القلب.
وأضاف، "بيتنا مفتوح لهم، وقبل البيت قلوبنا مفتوحة."
ويروي أن أصعب لحظات كلّ عام هي لحظة مغادرة الزائرين، حين يعود المنزل هادئًا بعد أيام امتلأت بالحياة.
ويضيف، "نشعر بالحزن عندما يغادرون، ونتمنّى لو يبقون أيامًا أخرى، فجميع أفراد العائلة يشاركون في خدمتهم، لأن هذه الخدمة أصبحت جزءًا من حياتنا."
أما رضا قاسم جواد، فيختصر فلسفة الخدمة بكلمات قليلة، قائلاً، "إذا أردت الوصول إلى الجنة، فلا أجد طريقًا أقرب من خدمة زوار الإمام الحسين."
وبينما تستعد القوافل لمغادرة المدينة، يقف عشرات الشبان لترتيب صفوفهم واستكمال المسير، ومن بينهم علي عبد الحسين، كفيل موكب شباب كركوك الموحّد، الذي يؤكد أنّ هذه التجربة بدأت قبل خمس سنوات فقط بخمسة شبان يحملون حلمًا واحدًا، ثم أخذت تكبر عامًا بعد آخر حتى أصبحت اليوم تضم قوافل عِدّة.
ويقول، "كانت البداية بخمسة أشخاص فقط، أما اليوم فقد أصبحت بعض القوافل تضم أكثر من مئة زائر، فيما تضم القافلة التي أسير معها نحو ثمانين شابًا."
ولا يرى عبد الحسين في الطريق مجرد مسافة بين كركوك وكربلاء، بل رحلة وجدانية تستحضر سيرة أهل البيت عليهم السلام.
ويضيف، "كل خطوة نستذكر فيها معاناة السيدة زينب عليها السلام، ولذلك فإن كل تعب يهون أمام هذا الطريق."
ويمرّ المسير في مناطق تتطلب إجراءات أمنية خاصة، إلا أنّ التنسيق المستمر مع القوات الأمنية يؤمن انتقال القوافل من قاطع إلى آخر، رغم أن تحديد ساعات الحركة يزيد من مشقة الرحلة، ولا سيما مع حرارة الصيف.
ويؤكّد أن حلمهم لا يتوقف عند هذا العام، بل يتطلعون إلى اتساع التجربة، وزيادة أعداد الشباب المشارِكين، مع توفير دعم أكبر للقوافل في الجوانب الطبية والخدمية واللوجستية.
حين تغادر القوافل آمرلي، لا تغادرها كما دخلتها، فالمدينة التي عاشت الحصار، تعلمت أن تجعل من الألم بابًا للعطاء، ومن الخوف مساحةً للأمان، ومن الحرب درسًا في الكرامة.
ولهذا لم تعد آمرلي تُعرف فقط بأنها المدينة التي كسرت حصار الإرهاب، بل أصبحت أيضًا مدينةً تكسر عن الزائرين عناء الطريق، وتمنحهم ليلة من الراحة قبل أن يكملوا المسير نحو كربلاء.
في آمرلي ينتصر الصبر مرتين مرةً حين انتصر أهلها على الإرهاب، ومرةً أخرى حين انتصروا على آثار الحرب، فاختاروا أن تكون بيوتهم محطاتٍ للحبّ، وأن يكون استقبال زوار الحسين عليه السلام امتدادًا لانتصارهم الأول.
أربعون كيلومتراً إلى الخلف من أجل المبيت
ينطلق الزائرون من آمرلي باتجاه تقاطع سد العظيم، لكنّهم بعد انتهاء المسير لا يجدون مكاناً مناسباً للمبيت، فيضطرون إلى ركوب السيارات والعودة إلى آمرلي، قاطعين قرابة أربعين كيلومتراً إلى الخلف، ليقضوا ليلتهم هناك.
يعلّق أبو كيان، "كنا نتوقع أن نجتاز تقاطع سد العظيم للوصول إلى ناحية العظيم، إلّا أنّ وجود بعض كبار السن أبطأ من سرعة المسير".
مبينا، "لن نستطع التخييم في هذه المنطقة لوجود بعض فلول التنظيم الإرهابي".
مضيفا، علينا أن نعود أدراجنا إلى مدينة آمرلي والعودة غدا إلى نفس المنطقة للانطلاق مجددا".
مُردّدا، "الحمد لله، إنّ أهالي آمرلي أرسلوا لنا بعض الحافلات لتعيدنا إلى المدينة".
مبادرة المتولّي الشرعي
من جهته بادر المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة إلى توجيه فرقة العباس القتالية إلى تأمين كافة احتياجات المواكب الحسينية الراجلة التي تقطع طريق "يا زينب".
وكشف مدير قسم الإعلام في العتبة المقدسة الأستاذ علي البدري عن تلقّيه مناشدة تلك المواكب ونقلها إلى السيد أحمد الصافي.
وقال، "ما إن تبلّغ سماحة السيد تلك المناشدة حتى وجّه فرقة العباس القتالية لاتخاذ ما يلزم".
مبينا، "شملت توجيهات سماحة المتولي الشرعي توفير الاحتياجات من مأكل ومشرب بالإضافة إلى المرافقة الأمنية".
في صباح اليوم التالي، تعود السيارات بهم مرة أخرى إلى النقطة التي توقف عندها المسير، ليواصلوا السير من جديد، وكأنّ الأربعين كيلومتراً التي قطعوها ذهاباً وإياباً لم تكن جزءاً من الرحلة، بل تضحية إضافية تفرضها ظروف الطريق.
بعد استئناف المسير من تقاطع سد العظيم، تتجه القافلة نحو ناحية العظيم، ثم تواصل السير لمسافة تقارب خمسة وأربعين كيلومتراً باتجاه الخالص، قبل أن تتوقف للمبيت في مضيف قبيلة شمر.
ويشير المتحدث إلى أن إقامة مجلس العزاء في ناحية العظيم أصبحت اليوم أمراً اعتيادياً، بعد أن كانت هذه المناطق في سنوات سابقة غير آمنة ولا يمكن إقامة الشعائر فيها، مبيناً أن القوافل التي تسبقهم والتي تأتي بعدهم تسير على وفق النظام نفسه.
معسكر أشرف
في صباح اليوم الثالث، تواصل القافلة السير لمسافة تقارب خمسة وأربعين كيلومتراً أخرى، لتكون استراحتها في معسكر أشرف، وهو معسكر كبير تستقبل فيه القوات الأمنية الزائرين، ولاسيما اللواء 23 الذي يتولّى منذ سنوات مهمة استقبال المواكب وتقديم الخدمات لهم.
مؤكّدًا، أنّ "الجيش العراقي، ولاسيما بعد تحرير آمرلي، أصبح يؤدّي دوراً محورياً في هذه المنطقة، إذ لا يقتصر عمله على توفير الأمن فقط، بل يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية، ويقدّم خدمات لوجستية متعددة، تشمل تنظيم الطريق، وتأمين الزائرين، فضلاً عن توفير وجبات الإفطار والغداء والعشاء، بالتنسيق مع الجهد اللوجستي للمواكب".
ويضيف، "أبناء المناطق الواقعة على امتداد الطريق يؤدّون دوراً لا يقلّ أهمية، إذ تتوزع بينهم مسؤولية تقديم الطعام والخدمات؛ فالإفطار بين الصفرة والعظيم يتكفّل به أهالي آمرلي، بينما يكون الغداء بين العظيم والخالص على عاتق أهالي الخالص، أمّا الوجبات بين تقاطع الصفرة وناحية العظيم فيتكفل بها أهالي الجيزاني وقرية الزنبور".
ويلفت، إلى أن أبناء هذه القرى يقطعون مسافات تتجاوز ثلاثين إلى أربعين كيلومتراً لإيصال الطعام والماء والثلج وسائر احتياجات الزائرين، في مشهد يجسد روح التكافل الحسيني.
جامع في منطقة كانت تحت سيطرة داعش
ومن المحطات التي لا تغيب عن ذاكرة المسير، جامع يقع في إحدى القرى التابعة لناحية العظيم، وهي منطقة كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي بشكل كامل.
ورغم ما مرت به المنطقة من ظروف، فإنّ أبناءها هيّأوا الجامع لاستقبال الزائرين، وقدّموا لهم استقبالاً متميّزًا، مؤكِّداً أنّ الأهالي بذلوا كل ما يستطيعون من أجل خدمة القافلة.