image alt

الطريق إلى كربلاء... مواكب الكرماء

الطريق إلى كربلاء... مواكب الكرماء


مع المساء نهض حسين ورفاقه لمواصلة السير صوب العتبات المقدسة، كانت مدينة الرميثة تضجّ بمواكب العزاء ومواكب الخدمة المنتشرة على جانب الطرق.

تترك الأجواء الصاخبة في قلوب الحشود الراجلة دافعًا معنويًا قويًا لمواصلة المسير، فكانت المباركات تنطلق على ألسن خدّام المواكب الحسينية الخدمية، وعبارات الترحيب والتقديس لا تنتهي عند إقبال أي زائر.

ويفتخر أهالي الرميثة بأنّهم أبناء المدينة التي فجّرت ثورة العشرين في القرن الماضي، بعد الاحتلال البريطاني للعراق، فيما ترفع صور الشيخ شعلان أبو الجون في عدد من المواكب الحسينية تخليدا لذكراه.

يقول الحاج عباس السماوي، راعي موكب العقيلة، "الحسين قضيّة حقّ لا تنتهي إلا بزوال الظلم". مُكمِلًا، "أجدادنا ورثوا تلك المبادئ وأورثوها لنا والتاريخ شاهد على ما نقول".

ويضيف، "عندما نستقبل الزائرين نتمنّى ألّا ينقطع مسيرهم ويستمرون بالسير إلى الحسين عليه السلام للأبد".

مشيرًا، "زيارة الأربعين تُعيد إيقاد شعلة الضمير في قلوبنا وتلهمنا الولاء لأهل البيت وخدمة زائريهم".

ويكمل، "ما إن ينتهي قدوم الزائرين حتى نحزم أمتعنا ونلحق بهم سيرا صوب كربلاء".

مختتمًا حديثه باستنكار، "ليس من العدل أن نخدم السائرين إلى كربلاء ولا نلتحق بهم".

desc-ef07fde3b4f171d2.jpeg

مع انبلاج خيط الفجر يصل حسين إلى مدينة الحمزة الشرقي، قاطعا ما يقارب 35 كيلو متر، ليصل إلى مفترق طرق ليحدد أي الطريقين يسير.

يناقش حسين رفاقه، "الطريق المُستقيم يقودنا إلى مدينة الديوانية ومن ثم الحلة، وهو طريق متعدّد المسارات ويحوي أكثر من جادة، وواسع جدا".

ويكمل حديثه، "أمّا الطريق الآخر، فهو طريق يؤدّي إلى مدينة النجف وهو الأقصر، ولكنّه بجادة واحدة مما يلزم مِنّا السير إلى جانب الطريق لتجنّب حوادث الدهس".

لم يستغرق النقاش طويلا حتى وقع الاختيار على الطريق الأقصر واختيار التوجّه إلى كربلاء المقدسة عبر مدينة النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام عليّ عليه السلام".

مدينة الطيبين

في غمّاس، تشعر وأنّ الوقت ينشطر إلى نغمتين؛ نغمة الجداول والترع وهي تجري محفوفة بسعف النخيل المشرئبّ نحو السماء، ونغمة هدوءٍ أزليّ لا يكسره إلا هديل الحمام وتغريد الطيور الصباحية فوق أشجار السدر والرُمّان.

تستقبلك المدينة بالمضايف القصبية والطينية الشامخة على جانبَي الطرقات، حيث تصافح عينيك دِلال القهوة السمراء وهي تتصدّر المجالس.

أهلها سمراءٌ وجوههم بلفح شمس العراق الدافئة، لكنّ قلوبهم أشدّ بياضاً ونقاءً من زهر البابونج؛ فبساطتهم هي تاج نبلهم، وكلماتهم تُصاغ بلهجة فراتية دافئة تنساب إلى القلب بلا استئذان.

على أطراف مدينة غمّاس ووسط بساتين النخيل التي تظلّ شوارعها، يتقافز الصغار أمامهم مرحبّين بهم، بعضهم يحمل أكواب الماء واللبن، وآخرون يحملون معهم حبات الفواكه.

على قارعة الطريق تجلس بعض النسوة من كبار السن، يضعن إلى جانبهن أباريق الشاي، والخبز والتمر.

desc-2a8e2989f714bcd9.jpeg

وشيّد الأهالي بعض محطات الاستراحة للسائرين، وكانت عبارة عن أكواخ من البردي والقصب، تتوسطها الأفرشة والوسائد.

فيما أوقد بعض وجهاء المنطقة مواقد تتوسطها أباريق القهوة (الدلال)، على أبواب مضايفهم.

مظاهر البساطة كانت بادية على جميع الأهالي، فيما تعكس واجهات منازلهم المتهالكة شظف العيش الذي يعانونه.

على الرغم من تلك المعاناة كان الكرم الذي يتحلّى به الأهالي يعكس حجم التعلق والمحبّة التي يولوها لأهل بيت النبوة عمومًا، والإمام الحسين صلوات الله عليهم على وجه الخصوص.

أحد رجال المنطقة الذي كان يمسك بيده إبريق قهوة مرحبا ومهللا بالزائرين، أبدى سعادته بقبول حسين ورفاقه الإفطار في موكبه الصغير.

مُعلقًا، "لا تحرموني من شرف خدمة زائري أبي عبد الله عليه السلام".

كان المضيِّف الذي يُدعى حاج سبتي، يخصّص من موارده الضئيلة كل شهر مبلغا كما يقول لهذه الأيام.

مُشيرًا، "جمعت ما ادخرت لشراء الشاي والسكر والقهوة وبعض الأكواب خصيصا لزيارة الأربعين".

مُضيفًا، "أداوم على هذا الأمر منذ خمسة عشر عامًا دون انقطاع".

مرددا وتعابير العرفان بادية على وجهه، "إنّه توفيق لا يناله إلّا ذو حظ عظيم".

أمّا الفتاة رقية التي تبلغ من العمر سبع سنوات فقط، كانت تقف على جانب الطريق تتوسل الزائرين أن يقبلوا ضيافتها، على الرغم من كونها حافية القدمين".

كانت تحمل بيدها طبقًا يحوي حباتٍ من ثمرة التين، فيما كان أخيها الصغير "سعد" يوجّه الدعوة للسائرين داخل بيت من القصب للاستراحة وشرب الماء أو الشاي.

أهالي ذلك القضاء كانوا يضربون أروع الأمثال بالكرم والجود، إلى جانب قوة عقيدتهم وإيمانهم بالقضية الحسينية الخالدة.

يقول حسين، "إنّهم فرحون لمرور بعض الزائرين بمناطقهم، لأنّ معظم السائرين إلى كربلاء المقدسة يفضلّون الطريق الآخر على هذا الطريق".

ويضيف، "إنهم يحملون من الطيبة والإيثار ما يعجز الإنسان عن وصفه".

مع انتصاف النهار قرّر حسين ورفاقه التوقف عن المسير، فدرجات الحرارة باتت مرتفعة جدا، وإكمال المسير في هذه الظروف قد يسبب الإصابة بضربة الشمس دون شك.

اختاروا أن تكون قيلولتهم في مضيف أحد وجهاء المنطقة، الذي شرعت أبوابه أمام الزائرين، بعد أن جهّزه بعدد من مبردات الهواء.