عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، يرتجّ هاتف أحمد جاسم، وهو على وشك الاستغراق بالنوم بعد يوم طويل، كان أحمد قد حلّ ضيفًا في مضيف الحاج كاظم عبود في مدينة الحلة المخصص في زيارة الأربعين لاستقبال الزوّار المتوجهين صوب العتبات المقدسة في كربلاء سيرًا على الأقدام.
يرفع أحمد الهاتف بعينين نصف مغمضتين، فيسمع صوت حسين الصغير، جادًا وسريعًا، "التوقعات تشير إلى خمسين درجة ظهر الغد، وموجة سموم قادمة من الغرب، تحركوا باكراً قبل أن تشتدّ الحرارة".
تتسلل كلمة "سموم" إلى وعي أحمد كإنذار مضاعف الوزن، فهو يعرف هذا النوع من الرياح، حارة جافة تحمل غباراً خانقاً يثقل الصدر قبل الجسد.
يجلس مباشرة، يوقظ رفاقه واحداً واحداً بيده على الكتف وهمسة حازمة، "يجب أن ننطلق فوراً، فالجو غداً سيكون قاسياً جداً".
يقوم الجميع بصمت سريع، يودّعون الحاج كاظم بكلمات شكر مقتضبة وهو واقف على عتبة بيته، ثمّ يَخطون خارج أطراف الحلة، بادئَين مسافة ثمانية وأربعين كيلومتراً كاملة تفصلهم عن كربلاء.
يسيرون بطريق تنيره أضويه مواكب متلاصقة، ومعهم عدد قليل من الناس بمسافات متباعدة، يستشعرون وحشة السيدة زينب عليها السلام، فبدأوا يردّدون في الطريق لبيك يا زينب، بالإضافة إلى الاستغفار والتسبيح اللذين لازماهما طيلة الطريق.
يعبر أحمد ورفاقه الخمسة جسر "بتّه" في محافظة بابل، يشعرون بنسيم نهر الفرات البارد، فيما تنعكس أضواء المدينة النائمة على سطح الماء الهادئ تحتهم.
يستثمر أحمد القريشي هذا الهدوء ليرفع صوته بدعاء خافت يناسب الساعة والعتمة بدل المرثيات التي كان يلقيها في الطريق، فيتردّد صداه بوضوح غريب عن عادتهم وسط ضجيج النهار المعتاد.
يمشي أمير نافع ابن بدرة، صامتًا إلى جانب أحمد جاسم، يتأمّل كيف تبدو المسافة المتبقية أخف من كل الأيام السابقة مجتمعة.
ويستدرك أمير بصوت هادئ، "في كلّ عام أشعر أنّ اليوم الأخير يمر أسرع من بقية الأيام، وكأنّ كربلاء تسحبنا نحوها فعلاً".
يبتسم أحمد جاسم إسماعيل رغم التعب ويعلق، "ربما فقط لأنّنا نعرف أنّ النهاية قريبة، فتخف خطواتنا من تلقاء نفسها".
يواصل الرفاق نحو قضاء طويريج، المعروف باسم الهندية، الواقعة تمامًا في منتصف المسافة بين الحلة وكربلاء، على مسافة خمسة وعشرين كيلومتراً من كل منهما.
تفوح من بساتين النخيل والحمضيات المحيطة عطور ثمار ناضجة، ويشرب الرفاق في أثناء عبورهم من أقداح العصير واللبن التي تقدّمها المواكب.
يقول أحمد جاسم إسماعيل، وهم يعبرون شوارع القضاء، "هذا القضاء نفسه ينطلق منه الناس كلّ عام في ركضة طويريج، من قنطرة السلام في ذكرى العاشر من محرم التي سنعبرها اليوم أيضاً ".
فيجيبه أمير نافع، "نحن نمشي أياماً كاملة لنصل للهدف ذاته الذي يركضون إليه في ساعة واحدة، وربما هذا بالضبط ما يمنح وصولنا طعماً مختلفاً".

مع ارتفاع الشمس تدريجياً، يبدأ الهواء يتغير فالحرارة ترتفع، وتبدأ أعداد الماشين حولهم بالتكاثر شيئاً فشيئاً، حتى يتحوّل الطريق إلى تيار بشري متصاعد الكثافة.
يصلون إلى سيطرة أم الهوى، بوابة كربلاء الرسمية من جهة بابل، يتوقّف أحمد للحظة، ويمسح جبهته التي تصبّ عرقاً، فيقررون الاستراحة بموكب على الطريق لتناول وجبة الإفطار وأداء صلاة الفجر.
ثم يواصلون نحو سيطرة الإبراهيمية، الشريان الرابط بين طريقي كربلاء-بغداد، كربلاء-بابل، إذ تتقاطع خطوط عشرات آلاف المشاة القادمين من محاور مختلفة، فيتحول الطريق كلياً إلى نهر بشري كثيف يهيب الناظر إليه، ويشعل روح الحماس عند القادمين إلى الحسين عليه السلام.
حين يصير الزائر مضيّفاً
عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، والشمس معلقة عمودياً، قاسية كاوية، يلمح الرفاق من بعيد سرادقاً صغيراً أنيقاً رغم تواضعه، تتدلّى منه أشرطة قماشية خضراء تتراقص مع نسمة خفيفة نادرة في هذا الجو الملتهب.
يديره حاج يقارب السبعين من عمره، وجهه يحمل ابتسامة ثابتة رغم التعب الواضح عليه، وثوبه أسود حالك يوحي بعنايته بنفسه.
يحيط به خمسة أطفال بملابس مرتبة رغم حرارة اليوم، أكبرهم في حدود الحادية عشرة، يتحركون بنشاط منظّم نسبياً حول أحواض المياه وماكنات العصير، وطاولة عليها أكواب أقداح بعناية جانب صحون الفاكهة المقطعة.
يحمل أصغرهم صينية ماء صغيرة بيدين حريصتين، تتمايل خطواته الخفيفة تحت وزنها بطريقة تشبه رقصة طفولية أكثر مما تشبه كدًّا حقيقياً.
يبتسم أحمد جاسم إسماعيل وهو يراقب المشهد للحظة، معجباً بهذا الحرص الجميل على التفاصيل رغم الظروف، قبل أن يتقدّم برفق ليعين الطفل، فيمسك بطرف الصينية بلطف، "اسمح لي بأن أخدم الحسين عليه السلام معك فالخدمة ليست لك وحدك".
يضحك الطفل بخفة، ويقبل المساعدة بمرح فوري صادق، يتبادل أحمد نظرة ودودة مع أحمد القريشي وأمير نافع، فينضمّ الستة إلى إيقاع الموكب الهادئ، إذ يوزع أحمد جاسم الأكواب بحركات هادئة تحاكي حركة الحاج نفسه، ويجلس أمير نافع للحظات بجانب الحاج يستمع إليه بشغف، بينما يساعد أحمد القريشي الأطفال في ترتيب صحون الفاكهة وخلطها في الخلاط لتصبح عصيراً.
يقول الحاج الكهل، وقد لاحظ هذا الانسجام السريع بينهم وبين أحفاده، بصوت دافئ يحمل امتناناً رقيقاً، "بارك الله فيكم، فأبنائي الكبار اعتادوا الوقوف معي كل عام، وهذا الموسم انشغلوا يخدمون الإمام الحسين عليه السلام في عملهم في القوات الأمنية، فتوليت الأمر مع أحفادي، وها أنتم اليوم أتيتم لتكملوا ما بدأناه".
يجيبه أحمد جاسم، وهو يقدّم العصير لزائر عابر بابتسامة، "نحن سعداء بهذا النصيب من موسمك أيها الحاج، فخدمة زائر الحسين عليه السلام شرف لا يضاهيه شرف".
تمتد هذه الشراكة الجميلة قرابة نصف ساعة، تمتزج فيها ضحكات الأطفال بأحاديث هادئة بين الحاج والرفاق، حتى يودعهم أخيراً بمصافحة حارة لكل واحد منهم، قائلاً، "أوصلكم الله بالسلامة، لا تنسونا بالدعاء عند الأضرحة المقدسة".

من هذا الموكب وبعد أداء صلاة الظهر، يواصل الرفاق، إذ شاهدو موكباً لم يشاهدوا مثله في الطريق، "مدينة الزائرين" ذلك المجمّع الذي تصطف فيه قاعات مكيفة وأرض خضراء كواحات وسط جحيم الظهيرة، إذ يجلسون باستراحة قصيرة ويصل إليهم الطعام في أماكن جلوسهم، يشربون عصائر باردة، قبل أن ينهضوا مجدداً باتجاه قنطرة السلام.
وهناك، عند تلك النقطة تحديداً، يبدأ شيء يتغير في الهواء نفسه، أصوات بعيدة تتسرب، لطميات متداخلة قادمة من اتجاهات متعددة تلتحم في نغمة واحدة، وصوت مكبرات صوت تتلو الزيارة من مآذن بعيدة، ورائحة بخور وماء ورد تختلط فجأة برائحة الغبار التي رافقتهم طوال الطريق.
يعبرون قنطرة السلام، ويدخلون شارع الإمام العباس، إذ يضيق الأفق بين واجهات المحال والفنادق المتراصة، والحشد يزداد كثافة مع كل خطوة حتى تلتصق الأكتاف ببعضها، ويمشي أحمد جاسم بخطى بطيئة رغم اقتراب الهدف، وكأنّ جزءاً منه يريد تأخير اللحظة عمداً ليستوعبها كاملة وفجأة، بين رأسين متقاربين من الحشد أمامه، يلمح ومضة ذهبية تعلو فوق سطح أسقف القبة، ثم إلى جوارها الأخرى، تلمعان معاً تحت شمس الظهيرة.
يتوقف أحمد جاسم ورفاقه تماماً، قدماهم تتجمد في مكانهما وسط تيار بشري متدفق من حوله بلا انقطاع.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يغيب التعب كلياً عن جسده، وكأنّ أياماً كاملة من المسير وساعات من الحر القاسي تبخّرت دفعة واحدة أمام هذا المشهد، يحل مكانه شعور مختلط بشقين اثنين فقط.
فرحة الوصول الغامرة تعانق حزناً عميقاً يهجم عليه فجأة، استحضاراً لمعاناة السيدة زينب عليها السلام وهي تسير هذا الطريق ذاته بعد مجيئها من السبي فيدمى قلبهم وتنهمر دموعهم دون مقدمات.
يهمس أمير نافع بجانبه، بصوت يغلب عليه الحزن، "وصلنا يا أحمد، بعد كل هذا الطريق".
يكتفي أحمد بإمساك كتفه صامتاً، والوقوف وسط الزحام، أمام القبتين، تختلط فرحته بحزنه في مشهد واحد يفوق كلّ شعور آخر عرفه في حياته.